مراجعات لابد منها - 30يونيو

25414

عندما طُلِبَ مني كتابة هذا المقال عن ٣٠ يونيو، وجدت نفسي في مواجهة ما كنت أحاول الهروب من التفكير فيه علي مدار أربع سنوات.. أكتب هذه السطور بينما جزء من أرض مصر قد صار محتلاً بموجب إتفاقية العار وأصدقاء كثيرون لي من ضمن مئات الشباب محبوسين لدفاعهم عن مصرية الجزر.. هل كان إستمرار الاخوان في حكم مصر سيؤدي الي نتائج أسوء من تلك؟ خواطر كثيرة تعصف بي وتدفعني لوقفة صريحة مع الذات مع إقتراب ذلك اليوم الذي طالما حاولت التنصل من ذكراه.  


نعم، لقد شاركت في إعتصام ٣٠ يونيو ومن قبله في تمرد، لكني لم أرحب يوماً بعودة الجيش للحكم ولم أبارك كل تداعيات ٣ يوليو ولم أفوض. هل يكفي ذلك لأعفي نفسي من أية مسئولية عما حدث منذ ذلك التاريخ الفارق؟ هل كانت ٣٠ يونيو سبباً في إعادة إحكام القبضة العسكرية علي مصر وما وصلنا اليه الان من انتهاكات وتراجع في الحريات وحبس كل الأصوات المعارضة إنتهاءً بالتفريط في جزء غالي من أرض الوطن؟ هل كانت ٣٠ يونيو إنقلاباً علي الديمقراطية ومدنية الدولة وإستدعاء صريح للحكم العسكري مرة أخري؟  


بعد عام من حكم الاخوان، كان المشهد السياسي شديد البؤس، ما بين دولة تدار من مكتب الإرشاد ورئيس يأتمر بتعليمات المرشد ومجلس نواب هزلي ودولة تُختطف لصالح جماعة وثورة موؤدة لم تحقق أي من أهدافها.. كان الاستمرار في هذا الوضع يعني أن تتحول مصر من المحروسة الي المخطوفة.. كان التسليم بهذا الواقع يعني فشل ثورة ٢٥ يناير وما قامت من أجله.  


مسيرات كثيرة نظمتها القوي الديمقراطية إعتراضاً علي دستور الاخوان وحكم المرشد، معارك متتالية خاضتها أحزاب المعارضة لرفض أسلوب إدارة الدولة وكأنها جزء من الجماعة.. عام من النضال الثوري والسياسي دفاعاً عن يناير ومبادئ يناير.. الي أن حانت ساعة الذروة التي مهدت لها أزمات حادة في الكهرباء والوقود.. أزمات إفتعلتها الدولة العميقة التي لم تزل تسيطر علي مفاصل الدولة وتحركها كيفما تشاء.. كان مرسي رئيس بلا شعب ولا دولة.. كان مرسي رئيس يحكم جماعة بينما الدولة تدار من مكان آخر لصالح جهات أخري أعطت إشارة البدء للانقلاب علي حكم الجماعة عندما بلغ التذمر الشعبي أوجه وبات الشعب مستعداً لقلب نظام الاخوان الذي تعاطف معه في بداية حكمه. 


في يوم ٢٨ يونيو، وأثناء تفقدي لمحيط الاتحادية، استوقفتني صور كبيرة الحجم ذات طباعة فاخرة لوزير الدفاع السيسي يحملها أطفال ويبيعونها في إشارات المرور بميدان روكسي.. كانت تلك أول إشارة سيئة ألاحظها، توالت بعدها الإشارات. الي أن جاء اليوم المرتقب ٣ يوليو.. كان يوماً طويلاً ثقيلاً محملاً بعبء الانتظار والتوتر.. ثم جاء البيان في نهاية اليوم بصوت وزير الدفاع في إشارة سيئة ثانية.. الآلاف يحتشدون في محيط الاتحادية وينصتون للبيان في ترقب.. ثم جاءت الإشارة الثالثة: "تعديل دستور ٢٠١٢" التي ظللت بعدها أصرخ "ليه؟! ليه؟! ليه؟!" كانت دموعي تتساقط والكل من حولي يحتفلون ويضحكون. لم أفهم لِمَ نبقي علي دستور رفضناه وحشدنا الناس لرفضه؟ لِمَ لا نسقط الدستور وندعو الشعب لصياغة دستور يليق بثورة قامت من أجل كرامة الانسان المصري وحريته وحقوقه؟ هل لان دستور الاخوان ينص علي أن وزير الدفاع غير قابل للعزل ويحافظ علي مكاسب الجيش الاقتصادية ويمنحه حق محاكمة المدنيين عسكرياً؟  لِمَ لم يدعو البيان الشعب لاستفتاء علي شعبية الرئيس أو إنتخابات رئاسية مبكرة؟ لِمَ لم يستوعب الجيش درس ٢٥ يناير وما إستتبعه دخوله في الحياة السياسية من مواجهات دامية مع الشعب أفقدته إحترامه وهيبته بين الناس؟ لِمَ يصر الجيش علي ترك دوره الأصيل من حماية الوطن الي حكم الوطن؟ دارت كل تلك الأسئلة بعقلي ودارت معها الارض من حولي فأفقدتني الشعور بأي فرحة للخلاص من حكم الاخوان. 


للمرة الثانية يتم إختطاف الثورة والشعب.. للمرة الثانية تتلاعب بِنَا واحدة من القوتين الموجودتين علي الساحة.. في المرة الأولي، تحالف الجيش مع الاخوان لوأد الثورة في مهدها، وفي الثانية تحالف الجيش مع الشعب. وفي كلتا المرتين، لم تكن للثورة وأبناء يناير قوة تذكر. حتي أحزاب المعارضة الممثلة في جبهة الانقاذ لم تتمكن من لعب دور فاعل في تلك المعركة المحسومة مسبقاً فصارت مجرد ديكور مكمل لمشهد ٣ يوليو البائس. وعادت مصر للحكم العسكري في إنقلاب صريح علي مدنية الدولة. والباقي معروف للجميع.. من تفويض ٢٦ يوليو أو ما أسميه التصريح بالقتل.. الي فض إعتصام رابعه في ١٤ أغسطس.. آلاف الجثث و الكثير من الدماء سالت، فمن يتحمل وزرها؟ كل من شارك في ٣٠ يونيو؟ كل مَن فوض؟ كل من بارك القتل بمنطق إقتلوهم قبل أن يقتلونا؟ 


أُشهد الله أن الدم كله حرام.. وأُشهده أني لم أشارك في ٣٠ يونيو بنية التحريض علي قتل كائن من كان.. وأني لم أفوض ولم أوافق علي فض إعتصامي رابعة والنهضة وإراقة الدم.. فالارض التي تروي بالدم لا تنبت السلام.. ولو عاد بي الزمان لما شاركت في إنقلاب علي الديمقراطية يعيدنا لنفق الدكتاتورية العسكرية المظلم.. لو عاد بي الزمن لعارضت حكم الاخوان بكل ما أُتيت من آليات سياسية وحزبية وتوعوية وشعبية لانها آليات ديمقراطية يكفلها الدستور وترسخ لحكم مدني ديمقراطي. لو عاد بي الزمان لشاركت في الانقلاب علي حكم الاخوان ليس في الميدان ولكن في صناديق الاقتراع. 

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك