الحركة النسوية المصرية .. بين النضال والفردانية

568

عادة تخيب المحاولات في ايجاد تعريف شامل جامع لمفهوم سياسي /ايديولجي /اقتصادي ما

ولكن يمكن تعريف "الفردانية" على أنها فلسفة أيديولجية اجتماعية تهدف لإعلاء قيمة الفرد والدفاع عن مصالحه وحقوقه ضد أي تدخل من "الدولة/الجماعة" لتجعل الفرد "نظريا" هو محور بناء كل التصورات الفلسفية والاجتماعية للمجتمع الليبرالي وقد يبدو من التعريف أن عدالة الفردانية تتسع لتشمل كل الأفراد بينما هي في تطبيقها الواقعي تنحسر لتحصر فقط في الأفراد الحائزين على مقومات بقاء أكثر كالقوة والسلطة والذكاء والجمال....الخ لتقترب مما يشبه الأرستقراطية ولكنها في ظني منزلق ليبرالي يختبئ خلف الديمقراطية كما أن الفردانية "واقعا" غير موجودة على الإطلاق فبطبيعة الحال الإنسان الفرد يعيش ضمن مجتمع تحكمه قوانين وضوابط كما تحكم الفرد نفسه حاجات وواجبات تقتضي بضرورة مشاركة المجموع والتفاعل معه.


دوما ما كانت الحركة النسوية المصرية تتسم في ظني بكونها حركة فردانية معنية بالصراعات الفردية وما يمكن أنه نسميه النضالات الفردية التي تستفذ الآحاد لا المجموع وهي في ذلك تقع في منتصف المسافة الفاصلة بين نسقين أيديولجيين هما النسوية الراديكالية والنسوية الليبرالية فالأولى ترى أن مشكلة المرأة وقضيتها تكمن في السيطرة الأبوية "الذكورية" والتخلص من آثار هذا العنف الذكوري بكل جوانبه،

أما الثانية فترى المرأة أسيرة القيود والضوابط الاجتماعية التي تحصرها في دورها المقهور وقضيتها هي كسر تلك الضوابط لكي تتحرر المرأة

وللحقيقة فهذا التوجه الوسيط  يتماشى بشكل ما مع الواقع إن لم يكن نتيجة له،

ولكن في ذلك عيوب فالتوجه الراديكالي هو تصور بدائي لا يأخذ اعتبارات الإضطهاد على أساس التفاوت الطبقي والاجتماعي أما التوجه الآخر  في ظني لهو أشد عيبا فهو يرسخ كما ترسخ جل التوجهات الليبرالية لمفهوم الفردانية.


لطالما تسائلت لماذا لا تخوض الحركة النسوية بقطاعاتها المنتشرة في جوانب السوشيال ميديا وأوساط النخبة الحقوقية المنظماتية وحتى الدولتية في شبكات دعم المرأة بمنظماتها وأجهزتها الحكومية حملة منظمة لحقوق النسوة العاملات لم أر شئ كهذا من قبل اللهم إلا صحفي/ة مجتهد/ة هنا أو هناك  يكتب تقريرا ما عن ظاهرة العنف الأسري في الصعيد أو عن تجارب نسوة خلعن الحجاب حتى أن أخر ما رأيت فيديو وثائقي يجسد معاناة راقصات الأفراح ولا أظنه نال حقه من نسب المشاهدة التي يستحقها أولئك النسوة الراقصات ليلا.

لا أجزم أن النسويات المصريات لا يلقون بالا للنسوة المعرضات للإضطهاد بشكل طبقي ،إجتماعي أو نوعي بل وحتى العرقي والديني،

كالممرضات اللاتى يتعرضن للإبتزاز من أطباء أو خادمات المنازل في تعرضهم للقهر الممنهج أو نساء النوبة وغيرهم من ذوات البشرة السمراء وتعرضهم للتحرش العنيف في شوارع ومواصلات القاهرة والأطفال والمراهقات اللاتي يتعرضن بشكل منتظم للعنف الأسري ،لكن ما أظنه يقع في محل الجزم أنه لم تبد على الساحة أية مشاريع تناهض هذه الأشكال المختلفة نوعا والمتفاوتة في الإضطهاد مركبا كان أو بسيطا،

مشاريع ليست توثيقية بقدر ماهي نضالية وتوعوية في آن واحد تهدف لبناء قاعدة تمارس الفعل النضالي النسوي بشكل دوري، على حد علمي لم يوجد هكذا مشروع إلا "الختان" الذي تبنته الدولة بفرمان ملكي من سوزان مبارك.


أشد مرارة من هذا وذاك أن الفردانية تظهر بشكل فج حتى في أشد مواضع قهر المرأة فجاجة وعنفا ولا إنسانية وهو الإغتصاب والتعدي الجسدي ،إن المرأة المصرية وبشكل يومي تتعرض للتحرش والاغتصاب والعنف في المنزل...العمل والشارع يوميا بأعداد تتخطى الآلاف وإلى الآن لم تتفتق عن قرائح النسويات فكرة مشروع نضالي كبير لمواجهته "الاغتصاب" وإلى الآن أيضا يستمر النسويات في درب الفردانية  الذي دائما ما ينتهى إلى متاهات العلاقات الشخصية وانعدام المصداقية غالبا ما تؤدي إلى مزيد من إنتهاك خصوصية الضحية أو التشهير بفلان وعلان،

فعلى وجه المثال كأن يغتصب زوج/صديق ما زوجته/صديقته فتشتكي 

فيكتب لها النسويات فرادى بضرورة تجريم الفعل وإقصاء ونبذ المغتصب إجتماعيا وحتى توعيته...إلخ 

لكن أن توجد حملة قوية منظمة تنبذ المغتصبين كلهم وتناهض الاغتصاب شكلا ونوعا وتجرمه حتى على الأزواج وتسعى لتغيير القوانين وسن غيرها مؤطرة بحملة توعوية تجوب القرى والنجوع 

بالطبع لا فتدوينة الفيس بوك"الفردانية" تكفي.


 وكذا الحال في شأن المرأة المستقلة كأن تكون فلانة "المفردة" تعاني ك"بنت" من التعسف المجتمعي والأهلي حال محاولتها الإستقلال مع أحدى أو كل زميلاتها، في المقابل ألوف النساء المستقلات بالفعل يعانون ولم تحاول الحركة النسوية الفردانية التعبير عن معاناتهم بوثائقي مماثل اللهم إلا محاولة رديئة من مخرج نرجسي وكانت النتيجة فيلم يصور حياة المستقلات كأغنية سعاد حسني "الحياة بقى لونها بمبي".


يبدو أنه لم تفطن الحركة النسوية إلى الآن بضرورة النضال الجماعي لمواجهة مثل هذه الانتهاكات بحقهن وهن في دأبهن هذا لا يختلفن كثيرا عن حال المعارضة المصرية في فردانية الحراك والتنظيم والتوعية ...إلخ

 تلك القضايا المحكوم عليها بالفردانية وإن كانت حقة فهي فاقدة لقيمتها كقضية يحشد لها المناضلين،


لطالما تعلمت أن النضال فعل جماعي ومداه طويل يحتاج إلى جهد كبير أما الفردانية دونا عن كونها تمثل نوعا من الأنانية بشكل أكثر تعقيدا فهي في أحسن الأحوال قد نسميها احتجاجا.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك