سأبصق على وجهه .. فالصمت لن يفك القيد

483


أنا مشغول بالي بهؤلاء الجائعين في السجون بحثا عن قوة تعطيهم دليل انهم لازالوا أحياء، موجوع قلبي على هؤلاء القابعين في الزنازين الموحشة الباردة في ليالي معتمه، وحيدون، مبعدون عن الأهل والأحباب، أنا محتارة بين المحبة المطلقة للإنسانية، والحقد الدفين على صمت البشر.

أنا غاضبة لأن هؤلاء لا يهتمون بآلامنا، وكأن ظهورنا الملتهبة بسياط النظام لا تشبه ظهورهم المحنية على سرائرهم كل مساء، وكأن رؤوسنا المعلقة محنية في المشانق كل صباح لا تعنيهم ولا تشبه رؤوسهم المحنية أمام لافتات الأسعار في الأسواق.

أنا غاضبة حد الكفر بهم، وأعذرهم لجهلهم بما يحدث، لا أحد يخبرهم، ولو اخبرناهم هل يستمعوا؟ وماذا يفعلوا لو عرفوا؟ ليس للجميع طاقة أن يتحمل قسوة المعرفة.

أنا متفهمة حد اليقين صمتهم، وانشغالهم بالتوافه عن الواقع المتهالك القاسي، أنا واثقة حد اليقين أنهم قادرون حين ينقلبوا أن يبتلعوا الدماء بابتسامات الغناء، ويلهون بدخان القنابل، ويضحكون في وجه الشرير الغاضب، ويلعبون بأضلعهم المكسورة كالسيوف الخشبية في وجه مدافع الأنظمة. 

أشعر أن حروبنا كلها هي "حلاوة روح" لكنها كريمة، توفر لنا قدر من الكرامة ونحن ننتهك، كسيدة مقيدة الساقين والقدمين في فراش الموت يغتصبها الورثة الذين ينتظرون أن تلفظ أنفاسها الأخيرة ليستمتعوا بأموالها، ولا يستعجلوا موتها لشهوتهم للدماء الذكية فى عروقها تنبض رغم الموت، وهي لا حول ولا قوة لها، إلا أن تبصق في وجوههم كلما اقتربوا..

مقاومة لا تفيض عليها إلا بمزيد من الآلم، لكن كيف لها أن تكف؟ تلك المقاومة "حلاوة روح".

أتسائل عن الغائب من الأحباب، مخطوف كأننا نحيا في قلب عصابة مرعبة، كثرت الأسماء على ذاكرتي الضعيفة، فصرت أشعر بالخجل من نفسي، نسيت رفاق درب عسير اختفوا! لازلت اذكر اسم أشرف شحاته، ومصطفي ماصونى، وأضيف على القائمة مصطفى النجار، واحمد جمال زيادة، وتامر خاطر.

أتقلب في فراشي ليلا وأذكر المعتقلات في سجون باردة، جافة، قبيحة، أتذكر نيرمين حسين رغم خلافاتنا القديمة، ليتنا ما اختلفنا، أتذكر علياء عواد التى تشاركنى الآلم والمصير في المرض رغم أننا نعرف بعض فقط عن طريق صورتها.

أتذكر المحبوسون إنفراديا، وأحمد دومه الذي كان صوته يجلجل في سماء اسكندرية الفسيحة أبان مقتل خالد سعيد، كيف يقضي هذا الحر لياليه وقد حُكم عليه حكم نهائي بخمسة عشر عام واليوم هو وحيد تماما، بلا أي مجد أو انجاز، يقبع وحيدا ويقاوم بالجوع الشعور المر في الحلق، بالهزيمة.

أذكر السفير معصوم مرزوق وحوراتى القصيرة معه، كيف كان عقلاني ووطني، هل خسرنا حقاً قطعة أرض؟ هل فعلا خسرنا كافة منابرنا الصحفية؟ كيف تحملنا كم الاعدامات التي وقعت على مئات الشباب!؟ كيف مرت على رؤوسنا تسليم القدس للصهاينة؟ 

اذكر كل الهزائم والألم، وكلما تذكرت، تأكدت أن "حلاوة الروح" التي تقوم بها تلك السيدة المنتهكة، هي الفعل الوحيد المحترم الذي يترك فيها صفة الحياة رغم كل الموت، ويعطيها نفخة الروح رغم عفن الوجود.

ولو كانت المقاومة مجرد فعل "حلاوة روح" فلها آثر الفراشة، وربما ذاك القصير الخبيث الذي يعيد طرح رؤية الفاشية القديمة ويقاوم عبير الحياة والحب والسلام بأنفاسه العفنة، نقضي عليه بالبصق على وجهه القبيح، ما دمنا لم نمت بعد، فلا زال هناك أمل أن تكلل جهودنا بأي شيء، غير الهزيمة. "رضوى عاشور بتصرف".

لذلك أنا سأبصق على وجهه بأي طريقة ممكنة، فالصمت لن يفك القيد.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك