هل يصمد الرئيس الفرنسي أمام "السترات الصفراء" ؟؟

395


انطلقت الاحتجاجات في فرنسا منذ بداية الأسبوع الماضي، وتصاعدت حدتها مع غياب دور الدولة في التهدئة عن طريق البحث عن الحلول وتقديمها للمحتجيين، جاء ذلك على خلفية قرار الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون برفع أسعار وقود السيارات الذي تسبب في غضب الكثيرين، وتشكيل مجموعة أسمت نفسها " السترات الصفراء"  دعت إلى التظاهرات في فرنسا احتجاجاً على هذا القرار.

تصاعد الاحتجاجات واعتقال العشرات:

ومع تصاعد الاحتجاجات في فرنسا، ارتفع سقف المطالب للمتظاهرين حتى وصلت إلى نطاق التنديد بنظام الضرائب بشكل عام، بالإضافة إلى حل الجمعية الوطنية (مجلس النواب)، كما طالب بعضهم برحيل الرئيس الفرنسي عن سدة الحكم، بعد عام تقريباً من الحكم.

و نتيجة لتلك التظاهرات، شهدت حركة السير اضطراباً على عدة طرق عامة في عدة مناطق مختلفة في فرنسا، جاء ذلك على خلفية الاشتباكات التي اندعلت بين قوات الأمن والمتظاهرين، الأمر الذي أدى إلى مقتل متظاهر وإصابة المئات، واعتقال العشرات.

وكان ممثلون عن أصحاب "السترات الصفراء" الذين شكلوا وفدا يمثلهم، قالوا إنهم يريدون أن يتواصلوا جديا مع ممثلين في الدولة والحكومة، التي قالت إنها مستعدة للحوار وفق شروط معينة، منها التراجع عن المطالبة بحل الجمعية الوطنية أو استقالة رئيس الجمهورية.


على الناحية الأخرى، صرح المتحدث باسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول أمس الأثنين قائلاً:" إن الرئيس حذر وزراء حكومته ، من أن "مشاهد المعارك" في الاحتجاجات قد تؤثر في ثقة المستثمرين وإنه يتعين على الحكومة الرد.


ماكرون: أنا فهمتكم...

من جانبه أكد الرئيس الفرنسي في تصريحات صحفية، أنه يدرك مدى اتساع الغضب بشان زيادة الرسوم الضريبية على الوقود والذي عبر عنه عشرات آلاف المواطنين من خلال احتجاجات تُنظم منذ عشرة أيام في إطار ما يعرف باسم "السترات الصفراء"، لكنه قال إنه لن يتراجع عن سياسات حماية البيئة.


وقال خلال تصريحاته التي أدلى بها أمس الثلاثاء، أن "ما فهمته من الأيام القليلة الماضية هو أنه ليس علينا أن نغير مسارنا لأنه المسار الصحيح والضروري"، وأضاف" سيتم تصحيح رسوم الوقود مع أخذ الارتفاع في أسعار النفط في الأسواق العالمية في الاعتبار، حتى لا يتحمل المستهلكون وزر ذلك":


ودعا ماكرون في حوار مُطوّل من باريس نقلته وكالة فرانس برس، الثلاثاء، إلى وضع آلية من شأنها تقديم حلول ملموسة وفقًا للمناطق الفرنسية وخصوصية كل منها، قائلًا: "يحب أن يتفاعل الجميع في وضع هذه الآلية، بما في ذلك محتجو السترات الصفراء".


وأوضح أن رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار فيليب، سيقوم بإعداد منهجية للتشاور لإيجاد حلول مناسبة حسب طبيعة كل منطقة، موضحًا أن ارتفاع ضريبة الوقود تم الإعداد له في السنوات الماضية، ولكن واكب الإعلان عن ذلك ارتفاع أسعار النفط على المستوي العالمي في الوقت الحالي".



مجلس أعلى للمناخ:

أعلن ماكرون إنشاء "مجلس أعلى للمناخ"، مشيرًا إلى أن فرنسا لم تقم إلا بالقليل في مواجهة التغير المناخي، وفي هذا الصدد نوّه الرئيس الفرنسي إلى أنه "سيتم إغلاق جميع مناجم الفحم الحجري بحلول عام 2020"، بهدف تقليص استخدام الغاز والنفط والفحم.

وقال ماكرون "استراتيجيتنا تهدف إلى استخدام الغاز الحيوي والطاقة المتجددة كالرياح والشمس والطاقة الهيدرولوجية. كل تلك الأعمال مكلفة، ونحن نستخدم في الوقت الحالي 5 مليارات يورو سنويا وهذا المبلغ سيرتفع إلى 8 مليارات سنويا".


وتابع ماكرون: "أنا لم أُنتخب بناء على برنامج يهدف إلى الخروج من استخدام الطاقة النووية وأنا سألتزم بهذا الأمر. ومن ثمّ سيتم إيقاف 14 مفاعلا نوويا بحلول العام 2035 حسب جدول زمني محدد، وذكر أن الفرنسيين يدفعون فاتورة 40 عامًا من الإجراءات التصحيحية المُتعاقبة، الأمر الذي يُحمّل الأجيال القادمة عبئًا بيئيًا".

وقال: "كيف يمكننا أن نقول لأولادنا أنهم يستنشقون هواء ملوثا بسبب سياساتنا؟ من مسؤوليتي ضمان الانتقال البيئي وهذا له كلفة، علينا أن نخرج من الوقود الأحفور، كما تحدّث عن أهمية الخروج من استخدام الوقود الأحفوري ودور ذلك في التقليل من انبعاث الغازات الدفيئة، مشددا على أن التحول البيئي "يحتاج نهجًا وتحالفًا أساسه المجتمع".

وشدّد ماكرون على أن إحداث التغيير "لن يتم إلا من خلال الالتزام بالمسؤوليات وما تم التعهد به خلال الحملة الانتقالية"، مشيرا إلى أن ضريبة الكربون اعتُمِدت في أعوام: 2009 و2014 و2015.

الرئيس الفرنسي: لن أكون ضعيفاً أمام أعمال العنف 

وفي الوقت ذاته، أعرب ماكرون عن تفهّمه لغضب الفرنسيين المُحتجين، قائلًااستمع للغضب وهو مشروع. ولكن يجب أن نوضح الحلول البديلة للمواطنيين".

وتابع "المواطنون يعبرون عن آلامهم، ولذلك ينبغي لنا خلال 3 أشهر بناء حلول ملموسة بالتعاون مع السلطات المحلية المختلفة. سنقدم خلال الثلاثة أشهر القادمة حلولًا بعد إجراء حوار مجتمعي شامل". وشدّد ماكرون على أنه "لن يختبئ أمام الالتزامات السابقة"، مشيرًا إلى أن ما يحدث نِتاج الانتقال البيئي".

وقال الرئيس الفرنسي: "علينا تحديد ميزانيات خاصة لمواجهة ذلك. هذه الأزمة لا تمر فقط بسعر الوقود، وأنا أعترف أنني أتشاطر كل مشاعر الغضب التي تم التعبير عنها".

لكنه أكّد في الوقت نفسه أنه "لن يتناول عن مواجهة الذين يهدفون إلى التخريب"، قائلًا "لن أكون ضعيفا أمام أعمال العنف"، بحسب الخطاب"، واعتبر أحداث العنف التي شهدتها البلاد خلال التظاهرات بأنها "غير مقبولة.


الاقتصاد الفرنسي:

بمرور السنوات الماضية وفرنسا تعيش أزمة اقتصادية طاحنة، الأمر الذي تحداه الرئيس الفرنسي ، حيث كان من أهم أركان البرنامج الانتخابي الذي إعتمد عليه ماكرون في حملته الإنتخابية عام 2017، بالإضافة إلى إهتمام ماكرون بهذا الملف فإن خبرته الإقتصادية جعلت الكثير من الخبراء والمحليين يأملون بحل الأزمة الاقتصادية الفرنسية عقب نجاح ماكرون، حيث يملك الرئيس الفرنسي خبرات كثيرة تتعلق بالشأن الإقتصادي، حيث تخريج ماكرون من "المدرسة الفرنسية للإدارة" في 2004، وتخصص في المالية والاقتصاد، ثم شارك بعد ذلك في لجنة مهمتها إيجاد سياسة مالية تدعم الاقتصاد الفرنسي، قبل أن يعمل مصرفيًا في بنك روتشيلد.

إيمانويل ماكرون هو في الأساس وزير اقتصاد سابق بحكومة الاشتراكيين قبل أن يؤسس حزبه السياسي في عام 2016، ولذلك فإنه راهن بقوة على الاقتصاد واحتياجات فرنسا في هذا الصدد، حيث تعهد ماكرون خلال العديد من كلماته في البرنامج الانتخابي أمام حشود من الجماهير، بأن يتبع خططا اقتصادية ترتكز إلى صفقات كبرى، الأمر الذي كان أحد عوامل الانتصار على حساب فيون في الاستحقاق الديمقراطي الذي خاضه ماكرون في مايو من العام الماضي.

الجدير بالذكر ان تظاهرات السترات الصفراء رفضاً لارتفاع أسعار النفط للسيارات، لم تكن الاحتجاجات الأولى في عهد ماكرون، فقبل ذاك تظاهر ففي مايو الماضي واثناء احتفال الرئيس الفرنسي بمرور عام حكمه لفرنسا تظاهر الألاف ضد الأوضاع الاقتصادية في فرنسا، وفي أوقات أخرى انطلقت احتجاجات لنفس الغرض منها الطلابية وعمال السكة الحديد والممرضين.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك