عندما تكون النسوية دعما غير واع للذكورية

405

        التيار النسوي يفترض أن هدفه تحرير المرأة خاصة داخل المجتمعات التي تحكمها أفكار ذكورية، وتخضع فيها النساء للاضطهاد أو علي الأقل لتمييز شديد ضدهن في مختلف مجالات الحياة، كما أن الفكرة النسوية ذاتها هي عبارة عن تغيير كامل للعقيدة الفكرية الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع. ورغم أن هذا هو الهدف الذي تسعي إليه التيارات النسوية لكن كثيرًا ما تقع التيارات النسوية في أخطاء تجعلها تنجرف بشكل غير واعٍ  إلي التحول لمجرد خصومة شكلية مع الذكورية، وتبني عميق داخلي لأفكار، ومباديء عميقة جدًا من العقيدة الفكرية الذكورية، وليس هذا بعيب أصيل في النسوية بل هو شيء تتعرض له أيديولوجيات وتيارات اجتماعية، وسياسية مختلفة. فكثيرًا ما يقع تيار ما في فخ خيانة أفكاره دون وعي؛ فمثلاً كثيرًا ما تنجرف التيارات الليبرالية –خاصة في المجتمعات ذات الميراث القمعي- إلي دعم سلطة ديكتاتورية قمعية معينة أو الإيمان بمباديء قمعية بسبب التخوف من صعود التيار المحافظ أو الديني، وللتيارات الليبرالية المصرية تجربة رائدة في هذه الخطيئة. أردت أن أوضح ذلك حتي لا يفهم مما سيذكر في هذا المقال أنني أعادي النسوية مثلاً أو أنني أؤمن أنها حركة ضعيفة فكريًا؛ فأنا -علي النقيض من ذلك تمامًا- أؤمن أن النسوية هي واحدة من أهم الأفكار علي الإطلاق التي يمكن أن تغير حقيقة العالم.

           مما يلاحظ أن كثيرًا من التيارات النسوية تقع خطأ وهو النظرة للنسوية علي أنها مجرد تغيير لصورة، ووضع المرأة في المجتمع، وجعل المرأة تحتل أماكن مقصورة علي الرجال داخل المجتمع، والدولة. ورغم أن هذه الفكرة صحيحة تمامًا عن النسوية لكنها فكرة مسطحة، وبدائية؛ فالنسوية في حقيقتها أكبر، وأعمق من ذلك بكثير. ولنفهم المعني العميق المعقد للنسوية يجب أن نشرح أولاً ما هي الذكورية. جزء من الذكورية هو احتلال الرجال لكثير من المناصب، والأعمال، ومنع النساء منها. جزء من الذكورية هو فرض القيام برعاية الطفل، وأعمال المنزل علي المرأة. جزء من الذكورية هو عدم السماح للمرأة بنفس حقوق الرجل الاجتماعية مثل الخروج ليلاً أو ارتداء ملابس معينة أو ممارسة الجنس خارج إطار الزواج. جزء من الذكورية هو تحكم الرجال في الأسرة، وسيطرتهم علي نسائها. جزء من الذكورية هو عجز المرأة عن الاستقلال ماديًا. جزء من الذكورية أن تطالب المرأة بأن تظهر دائمًا بمظهر رقيق وأنيق ورشيق. كل هذه النماذج مجرد جزء من الذكورية أو بالأدق زاوية من زوايا الذكورية. الزاوية الثانية هي زاوية الرجل؛ وهي الجهة التي تنسي دائمًا. عندما يمنع الرجل عن إبداء مشاعره، والبكاء فهذه ذكورية. عندما يمنع الرجل، ويستهجن عليه ارتداء ملابس ملونة أو الحديث بطريقة رقيقة أو إبداء حنانه وأبوته برقة فهذه ذكورية. عندما يقل عدد الرجال في مهن الرعاية بالطفل، والتمريض فهذه ذكورية. عندما يستخف بفكرة قيام الرجل بالواجبات المنزل؛ فهذه ذكورية. عندما يفرض علي الرجل دور رعاية نساء الأسرة، والإنفاق علي الأسرة، وتولي المهام الشاقة، والعنيفة فهذه ذكورية. عندما يطلب من الرجل دائمًا إظهار صورة زائفة قاسية عنيفة عن نفسه، ويسلب حق الضعف، والاحتماء بالاخرين فهذه ذكورية. وعندما يساءل الرجل إذا لم يظهر دائمًا مفتول العضلات، وقويًا، وعنيفًا، وغنيًا أمام المرأة؛ فهذه قمة الذكورية. 

               أما الزاوية الثالثة والأهم من الذكورية فهي الأفكار. الذكورية منظومة فكرية متكاملة؛ منظومة يرتفع فيها قيمة القوة، والعنف، والقسوة، والعسكرية، والسيطرة، والتحكم، والحكم للأقوي والقهر للأضعف، وتتدني فيها حتي الاحتقار قيم المحبة، والضعف الإنساني، والتسامح، والرقة، والعفوية، والطفولة، والحنان، والحرية، والمدنية، والرحمة، العدالة للكل، والمساواة بين الأضعف، والأقوي، واحتضان كل ما يمثل الإنسانية. النسوية يفترض أن تكون القيم التي تحتقرها الذكورية؛ النسوية يفترض أن تكون النقيض الكامل لهذه الأفكار.النسوية هي تساوي النوع الاجتماعي سواءً رجل أو امرأة أو غيرهما في كل الحقوق والواجبات؛ لأنهم بشر. النسوية الحقيقية هي تبني مباديء إنسانية ترفع من قيمة التضامن، والاحتواء الاجتماعي للأضعف دائمًا، وتشجيع الأفراد علي إظهار ضعفهم الإنساني، ومشاعرهم، ورقتهم، وحنانهم، حريتهم، وعفويتهم، وروحهم، وطفولتهم، وعجزهم. النسوية تري هذا الضعف هو الحياة الحقيقية، وتقدسه بينما ترفض وبشدة العنف، والقسوة، وحكم الأقوي، والقمع، والتحكم. 

               النسوية ليست أن تكون المرأة عنيفة، وقاسية، وعسكرية، ومتحكمة ومستقلة لدرجة إهمال العلاقات الإنسانية، والتركيز علي النجاح العملي؛ النسوية أن يتحلي الجميع بالرقة، والحنان، والحرية، والرحمة، والمدنية والإنسانية، وأن يقدس الجميع الإنسان فوق المادة، وفوق القوة. النسوية أن تكون صورة الرجل النموذجي هي صورة الرجل الحساس الرقيق الضعيف الحنون الباكي. من تطالب بحقوق مساوية لها اجتماعيًا وسياسيًا يجب أن تطالب بألا تساءل عن جمالها وشكلها وكونها باربي، ويجب أن تطالب أيضًا بألا يحاسب الرجل علي إنسانيته. إذا كنت نسوية حقًا فلا تتمسكي فقط بقوتك، ونجاحك، واستقلالك بل تمسكي أيضًا برقتك، وضعفك، وحنانك، ودموعك، وطبيعتك بكل ما فيها من ضعف. إن كنت نسوية فترقبي في نصفك الاخر حنانًا، ورقة، وضعفًا، ولا تطلبي منه أبدًا أن يكون قويًا أو عنيفًا. إن كنت نسوية، قدسي دموع، وحنان الرجل، وإرفضي بشدة أي صورة مفتولة العضلات له.  إن كنت نسويًة؛ فإرفعي القيم الإنسانية، وحاربي كل فكرة ذكورية تأله القوة. 


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك