الأمل كمان خيانة

288

أتذكر جيدا مقالة لأحمد ماهر وهو كاتب جيد بالمناسبة كانت بعنوان والأمل أيضا خيانة وفي الحقيقة كانت المقالة شبه إجترار لنقاش ساقه علاء بن أحمد سيف في أحد ليالي الزنزانة الباردة حيث كنت حاضرا. 

حين يذهب الحديث إلى تلك المنطقة حيث التطلعات إلى المستقبل بين الهم العام والهم الخاص كان صوت علاء يعلو ويتوتر لهذه لا أنسى أبدا علاء وهو يقولها "الأمل كمان خيانة" 

ويقصد بها المدة التي قضاها في السجن وإنعدام الرجاء في رؤية والده وعائلته مرة أخرى وهو ماحدث بالفعل حيث توفى والده وهو سجين، بالطبع أي كلام عن تطلعات نحو عملية تغيير ديمقراطي حقيقي أو أي بادرة لحل الوضع السياسي المتأزم كان علاء يواجهها بصوت مضطرب وكأنه يتنبأ بما سيقع في آت الأيام وبالعبارة ذاتها "الأمل كمان خيانة".


الشباب العربي كان دوما يحدوه الأمل "الزائف" فيما يتعلق بالعديد من القضايا وعلى رأسها القضية الفلسطينية 

وقضايا التحرر والتحول الديمقراطي بعد سنوات القمع والديكتاتورية،

تضاعف هذا الأمل "الزائف" حتى وصل إلى ذروته الحرجة بعيد ثورات الربيع العربي مباشرة حتى خيل للبعض أن تحرير فلسطين قاب قوسين أو أدنى وأن الديمقراطية لن تكون حبيسة بعد اليوم وأن حقوق الأقليات الدينية والجنسية والنساء لن تضار بعد اليوم.

لا أحد يعرف ماذا حدث 

فموجة الردة كانت عنيفة 

فالثورة دحرت في البحرين والكويت والجزائر بقوة في مهدها،

وبالتوازي أجبرت الثورة على الحرب الأهلية رغم عنها روغم سلمية الخيارات التي أتيحت وقتها،حدث هذا في ليبيا وسوريا واليمن والعراق.

حتى في تلك الأوقات العصيبة كان الأمل يلوح في أفق بلدان كمصر وتونس ولبنان وحتى غزة.

محاولات متعسرة للوصول إلى الديمقراطية وتعديل القوانين وتضمين الحقوق ودرء القمع شيئا فشيئا 

ولكن كعادة الأشياء في بلاد العرب لا أحد يعرف ماذا حدث!؟ 

ردة أكثر عنفا من الحرب الأهلية في دول الجوار العربي، 

فغزة محاصرة وإنقلاب عسكري في مصر وأزمة إقتصادية في تونس يتأرجح على أحبالها اليسار والاسلاميون وعن لبنان يلوح طيف الطائفية المخيف بعد أن ركن طويلا منذ حربهم الأهلية المخيفة.

ربما هذا ما كان يعنيه علاء أن "الأمل كمان خيانة" 

أمل في حل القضية الاقتصادية في ظل صعود قوى جديدة في المنطقة لا إرادة لها إلا تثبيت وجود إسرائيل، هذا أمل خاو بالطبع.

أمل في تغيير ديمقراطي بعد سنوات الحكم الفردي الشمولي في كل دول المنطقة على خلفية إنسحاب الأمريكان والأوربيون من كل ملفات المنطقة؛ الإنسحاب الذي بدأه أوباما في ملف سوريا ويستكمله الأوروبيون في ملفات دعم الديمقراطية وتمكين قوانين من شأنها دعم حقوق الإنسان، بل أن ما يبدو أقرب كثيرا لدعم منظومات الحكم الفردي الديكتاتوري تارة بحجة منع اللاجئين وقوافل الهجرة غير الشرعية وتارة أخرى تحت وطأة الأزمات الإقتصادية التي يجب مواجهتها بصفقات سلاح لا يمكن إجرائها إلا مع هذا النوع من الحكام، يبدو أيضا أن التعويل على الأمريكان والأوروبيين أمل زائف آخر خاصة وأن السجادة تسحب من تحت أرجلهم لصالح المشروع الصيني العملاق إقتصاديا وصاحب الفائض المالي الضخم والإنتاجي الجبار، المشروع الصيني الذي لا يتضمن في أركانه أية بنود تهتم بالديمقراطية أو حقوق الإنسان أو حتى تحسين الوضع الإقتصادي لدول العالم الثالث اللهم إلا الجزء الذي يعني بتمديد مناطق سيطرة الامبراطورية الصينية؛ بأي حال الإعتماد على الصين في أمر كهذا مما لا يعول عليه أي أنه أمل زائف آخر.

علمني أحد أساتذتي في السياسة أن للمناضل همان هم خاص وآخر عام 

ويناضل المناضلون في الهموم العامة من أجل تحسين هموم الجميع الخاصة

ولأن القضايا الكبرى صاحبة الألفاظ رنانة الوقع كالتحرر والتحول الديمقراطي وحقوق المرأة والأقليات تهدف بالأصل إلى تحقيق جودة حياة مقبولة للجميع كل على حدى،

ولأجل هذا قام من قام وثار من ثار وقاوم من قاوم في تاريخنا الحديث كما أعرفه والتي تأتي آخر النقاط المضيئة فيه بإسم الثورة.

كانت للجيل السابق آمال عظام أكبرها زيفا أمل النصر ودحر العدو مرورا بالقاهر والظافر 

وصولا إلى وعود الوحدة العربية وتحرير فلسطين ومن ثم توشكى وتحسين حال المواطن "محدود الدخل" وتدهور بهم الحال إلى مجرد أحلام عابرة بالهجرة إلى ليبيا أو العراق "كحال بقية الشباب اليوم ولكن وجهتهم مختلفة ...أوروبا".

أزعم أن أبناء جيلنا ممن عاصروا الثورة وتجرعوا كؤوس الهزيمة كأس تلو الآخر حتى بين ظهرانيهم توالت الهزائم بين نخبة لا تبالي ورمز متحرش وآخر فاسد مرتش، والآن لا زالوا يبحثون عن أمل يحدوهم نحو تحقيق الذات والإلتفات أكثر نحو الهم الخاص بين الدراسة والعمل لربما تكون هذه المرة حلم يسهل الوصول إليه في نهاية الطريق المظلم،

لكن دوما وبالتجريب عرفت الشعوب أن النزعة الفردانية في تحقيق آمالها كأفراد وطموحاتهم في تحسين جودة حياتهم الخاصة وحياة أبنائهم كذلك وكذا تحقيقهم لمكانة وظيفية في سوق العمل وتأمين مستقبلهم، كل هذا بالتأكيد أمل زائف لأن السعي وراء الحلم الشخصي في تحقيق جودة معيشة في بيئة مملوءة بالحروب والرشوة والفساد والقمع لهو درب من دروب المستحيل 

حتى وإن عولج بالإرتقاء الطبقي ففي النهاية رداءة الخدمة الطبية والتعليمية والمعيشية بكل حال تنال جميع الطبقات إما في جودة الخدمة نفسها بالنسبة "للفقراء" أو في تكلفتها بالنسبة " للأغنياء والميسورين" حتى وإن أستقام الحال للبعض فترة فلن يستقيم مجتمع كهذا فيه هذا القدر من التفاوت بين الطبقات وبالطبع الآمال "الزائفة".


في كل مدارس الكتابة يجب إنهاء المقال بعد عرض موضوعه في مقدمة وتفنيد مشكلة موضوعه 

لكن ولأننا نعيش عصر الآمال"الزائفة" تبدو لفظة "الحل" أملا يلوح في نهاية النفق المظلم وكما تبين فيما سبق "الأمل كمان خيانة"

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك