كأس العالم يزيد بؤس المصريين بدلا من انتشالهم منه

353

حين أطلق الحكم صافرة النهاية، في لقاء مصر وروسيا الثلاثاء، كان الإحساس بالوطن مختلفًا ومتراجعًا، هنا في تونس، حيث التقيت بأصدقاء مصريين ومحبي مصر لمشاهدة المباراة.

فبعد أن كان الجميع متفائلين في البداية،  بسبب أداء الفريق المشرف في المباراة السابقة ضد  أورجواي، وتمكن مصر من السيطرة على الملعب،  رغم عدم استطاعتها ترجمة هذه السيطرة إلى أهداف، وخسارتها في الدقيقة الأخيرة، ومع السلاح المصري غير السري في المباريات: محمد صلاح، المهاجم العالمي، الذي شارك في المباراة الثانية ضد روسيا، كان أملنا جميعًا في إحراز الأهداف، لطرد لعنة الفراعنة التي ابتلي بها المنتخب الوطني، فنفوز على روسيا.

آمالنا واجهت خيبات عظيمة، فالفريق غير منظم وفوضوي، مصاب بعدم التركيز، حتى صلاح لم يتمكن من تحقيق ما كان مأمولًا فيه، ربما كانت توقعات 100 مليون مصري أثقل من أن تتحملها كتف صلاح المصابة، أو أن أعصابه توترت، تحت ضغط المنافسة الأهم في مسيرته، أو ربما لم يكن مستعدًا بعد للعودة إلى الملاعب بعد إصابته على يد راموس.

وعندما أيقنا أن الهزيمة ستلحق بمصر، تحول الجو الاحتفالي إلى ثقل كبير، "كنت أتمنى أن يكون هناك ما نفتخر به كشعب"، هذا ما قاله أحد أصدقائي المصريين عقب انتهاء المباراة.

مقطع مصور لمصري يدعى علي سعيد، جسد نفس النقطة، المقطع الذي حصل على 1.8 مليون مشاهدة بحلول نهاية الأسبوع، يسأل فيه سعيد قائلًا: " ليه مفيش حاجة تفرح"؟

يتابع سعيد، وهو يقود سيارته ومهاجما المشاهير والنجوم الذين ذهبوا إلى روسيا على نفقة الدولة، وكذلك اللاعبين: "100 مليون مصري دمهم بيغلي، عاوزين حاجة تفرحهم، ومفيش حاجة بتفرح في البلد دا، يارب أموت وأخلص".

 إن شعبًا محبط، كان بحاجة للهروب الذي توفره كرة القدم، والآن وبعد رجوع الفريق بغض النظر عن نتيجته مع السعودية، فإن جرعة المسك المستمرة لـ 90 دقيقة الآن.

سعيد صاحب المقطع المصور، يعتبر كرة القدم أفيون الجماهير، لكنه يعتبر نفسه أيضًا مستعدًا لمتابعتها لتساعده على نسيان الواقع وتجعله سعيدًا ولو لبعض الوقت، وهو ما يعد شهادة حزينة، عندما لا يتاح لك حتى الهروب.

بالنسبة إلى الجميع إلا أشد مؤيدي الرئيس عبد الفتاح السيسي، يبدو الوضع في مصر قاتمًا ويائسًا، فلم تشهد البلاد فقط حملة قمع هي الأكثر شراسة ضد المعارضة، لكن الاقتصاد أيضًا أصبح في حالة يرثى لها، بعد انخفاض قيمة الجنيه مقابل العملات الأخرى، وتزايد التضخم، ومعززات الألم المتمثلة في عمليات التقشف.

في الفترة التي عاشها المصريون فترة الفخر والكرامة والأمل في المستقبل، في 2011، بعد إجبارهم الديكتاتور حسني مبارك على الرحيل، لم يكن المصريون في حاجة إلى بطل في كرة القدم، فلقد كانوا جميعًا أبطال قصص إنسانية خاصة بهم، فقد كانوا يشكلون مصائرهم.

ويبدو أنه بالحملة الأخيرة-حملة الاعتقالات- لا يحاول السيسي فقط معاقبة المصريين على جرأتهم في الحلم، إلا أنه يسعى أيضًا للقضاء على الفكرة ذاتها في الأمل في تقرير المصير والديمقراطية، ومحوهما من أذهانهم.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك