يوم أحببتني

351

شرخ داخلنا يترسخ بعمق منذ طفولتنا بيننا، وبين أجسادنا؛ نتعلم أن نكرهها، نخاف منها، نتهرب من النظر إليها، نعتبرها خزينا الأكبر. مذ بلغت وأنا في التاسعة من عمري، وترسب داخلي هذا الخوف، وهذه الكراهية، خاصة مع تنبيهات أمي المرعوبة علي خرافة "غشاء البكارة". طفلة صغيرة لا تفهم شيئًا، وجدت نفسها فجأة أمام تحدي الرعب علي شيء لا تعرفه رقيق صغير داخلها. لم أكن أخاف ألا أتزوج مثلما كانت تحذرني، كنت خائفة وحسب. بدأت عندي وساوس عليه، وكنت أخشي عليه من الهواء الذي يمضي أسفل عائني. ترسب داخلي أنه أغلي ما أملك، وكرامتي وكبريائي أبيا أن أسلمه لأحد قط. رفضت الزواج؛ لأنني لن أحميه لرجله يأخذه مني، سأبقيه لأجلي أنا، لأجل كرامتي.

              لم تكن أمي لتفهم أن كرامتي تنهار أمام فكرة أن أحافظ علي شيء لأسلمه لرجل، يخترقه ليعرف إن كان أول من يمتلكه أم لا؛ وإن وجد أنه ليس أول من ذاقني، يرميني في الارع؛ لأنه يريد أن يكون صاحب اللحسة الأولي! شعرت بالاشمئزاز، وصار لي الجنس دائمًا إهانة. لم يكن لي رغبة، ولا فعلاً نجسًا وحسب، بل وأيضًا إهانة، وترخيص مني. لم أفهم أبدًا لماذا تريده النساء؟ شعرت أنهن يقبلن وضعهن المهان فيه بل ويستمتعن به. وعندما كبرت، وفهمت الإيلاج، ونظرة المجتمع له؛ شعرت أن كل امرأة تريده تري نفسها في مكان منحط بالطبيعة، وتفضل لذة سريعة علي كرامتها، واحترام جسدها. وبالنسبة للرجل؛ فقد رأيته دائمًا شخص مزدوج وأناني، ويريد أن يشبع رغبة حقيرة داخله في قمع المرأة، وإذلالها، وامتلاكها، ولا يرقي ليكون إنسانًا أصلاً؛ فهو وحش همجي مفترس، لا يستطيع أن يجمح جماح جوعه، ونهمه لإلتهام الضحية، ويريد دائمًا أن يأكل ضحية طازجة لم يلتهمها سواه. 

           من ناحية رأيت الجنس ذل لي، ومن ناحية رأيته نجاسة كما غرس داخلي الدين والمجتمع؛ بل ورأيت الدين مزدوج لأنه يجعل ذلك الشيء النجس مقبولاً داخل إطار محدد هو الزواج، وحقير خارجه. ومن ناحية ثالثة رأيت الجنس ضعف، وعجز، وقوة داخل الإنسان تكسر كبرياءه، واحترامه لذاته؛ رأيته رغبة تذل صاحبها، وتمنعه من تحقيق مبادئه، وتدفعه للخضوع، والتسليم، وارتكاب أي شيء يتنافي معع مبادئه. من كل الزوايا، رأيت الجنس حقير وذليل، وكرهت أي رغبة داخلي، وكرهت أن ألوث من أحبهم بالرغبة، واحتقرت نفسي، ورأيتها خائنة، وضعيفة، وعاجزة، وحقيرة، ورخيصة في كل لحظة رغبت فيها. رأيتها نفسي إما تريد الذل، والرخص لها أو تريد استغلال، وخيانة من أحبتهم، وتنجيسهم بالجنس. 

            ولم أجد من حولي مختلفين. كل من حولي حملوا فكرة أن الجنس دنس، وصورة من صور الرخص، والخيانة، لكنهم رأوا أنهم رخيصون بطبيعتهم، وأنهم يجب أن يقبلوا طبيعتهم؛ فهكذا خلقوا، ولن يستطيعوا تغيير طبيعتهم. لم أقبل هذه الفكرة، وأصررت أن أتحداها، وأرفضها، واّبي أن يهزمني، ويذلني جسدي. ورفعت رأسي، وأذللت جسدي، وعذبته. جسدي صار بالنسبة إليّ عدوي الذي سيقودني إلي ذل والخيانة. ورأيت كل رجل يريد أن يذلني، ورأيت جسدي السوط الذي سيجلدني، ويذلني به. 

           وفي إحدي مرات شجاري مع أمي علي حريتي، وصداقاتي، وأسلوب حياتي، رددت أمي أن الرجال سيستغلونني، وينظرون إليّ كفريسة سهلة؛ فكل ما يريدونه مني هو جسدي، وحينها انفجرت، وأسرعت نحو المطبخ، وإلتقت سكينًا، ووجهتها نحو عائني، وهممت بقطعه "إن كان ذلك ما يريدونه الرجال مني، وهو ما سيذلني، فسأقطعه"؛ ولكن أمي تدخلت في اّخر لحظة، وأطارت السكين من يدي. لاطالما تمنيت ذلك؛ لاطالما رغبت أن أدمر أداة ذلي. 

             ومضت سنوات حتي جاء يوم، قابلت رجالاً لا يريدون جسدي، ويتعاملون معي كإنسانة، لا كجسد. جاء يوم قابلت رجالاً حساسين، وممتلئين بالمشاعر، ولا ينظرون للجنس كذل أو رغبة. وبدأت أعلم أن العالم ليس أحادي، وليس كله صورة واحدة وحشية. وجاء يوم وقفت فيه أمام المراّة للمرة الأولي عارية تمامًا، أواجه جسدي. وجاء يوم نظرت فيه للمرة الأولي بعد ثلاثة وعشرين عامًا لعائني، و أعتذرت له، و قبلته؛ وقلتها لي:

"بحبك"

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك