أخلاقك يا ست !!

347

                                       مشهد(...)

                                      نهار/خارجي

                               ميدان المحطة - الزقازيق


ظهور تدريجي..مع تواجد صوت ضوضاء توحي بزحام خانق تغلف المشهد.     

 مع نقاء الصورة نرى أن الجزء الأكبر منها يشغله تمثال لأحمد عرابي المتواجد أمام مبنى المحطة، شاهرًا سيفه تجاه مسقط رأسه(هرية رزنة)، منهكًا بالأتربة التي تسبح فيما تيسر رؤيته من الميدان  من خلف التمثال؛ كجزء من بناء المحطة، وبعض المتاجر، وغوص السيارات(أكثرها سرافيس) في الزحام البشري...إلخ.

(كلوز) على وجه تمثال عرابي، فنسمع صوت: صوت بشري عنيف مصدره الأنف يخيل للمرء أنه يتألف من سلسلة صوتية من حرف (خ) مكرر تتقطع نغماتها في الحلق.

                                             - قطع -

                                     ******************

  مما لاشك فيه أن الصوت إياه بشع.. كواقعنا، ولعل صوت ثومة هدية محافظة الدقهلية لمصر الذي ينهدر من مكان لا معلوم جاء كرأفة إلهية تنقذنا من براثن بشاعة الصوت، وتمنحنا الجو الأمثل للثرثرة:


   أما عن العبد لله؛ فقدت ولدت في يوم غابر بمدينة حديثة النشأة على أطراف محافظة الشرقية كانت في القبل ريفًا خالصًا، وحين غزتها مظاهر التمدن لم تتمكن منها بالكامل، فلا أصبحت مدينة بالشكل المُتعارف عليه ولا حافظت على طابعها الريفي؛ وإنما بين ذلك وذاك. وعلى هذه الصورة البائسة لمدينتنا الصغيرة أصبحنا نختال بها أمام المقيمين حولنا في القرى، ونتعالى عليهم باعتبارنا أبناء مدينة بينما هم من الفلاحين، وفي ذلك ظفر ببعض من نشوة لا تصمد عند خروجنا من أقطار مدينتنا إلى أقطار مدينة أخرى أكبر داخل المحافظة، والتي على حسب موقعها في الجدول الفلاحي يمكن استخدامها ككارت رابح أو خاسر- في الأغلب خاسر- أمام باقي المحافظات التي يتساوى غالبية أبنائها حين الوفود للمحافظتين الأشهر(القاهرة والإسكندرية)؛ حيث نُضم جميعًا لعداد الفلاحين الجرابيع من قبل أبناء المحافظتين التي تُمَارس بداخلهما نفس اللعبة تبعًا لرقي المناطق.

  

  اللعبة ممتعة بلا شك؛ فالكل في مصر مضروب بالحذاء على يافوخه، لذا فلا يمانع أغلبنا بالظفر بمزية وهمية تشعره  بالانتصار وبالتفرد عمن سواه. مغالاة؟ في الغالب لا يتعدى الأمر كونه مزح؟ ربما لا يمكن إغفال ذلك في حالات عدة، لكن وكما يقال فالدعابة دائمًا هي الوجه اللطيف للمأساة، والمأساة هي أننا قد اعتادنا ألوان شتى من العنصرية حتى أصبح تقبلها جزء أصيل من طباعنا التى أرُهقت في صدها ضمائرنا، لذا فالجالس على مقهى يتابع مباريات منتخب الفراعنة الفلاحين في كأس أمم القارة السمراء لا يجد أي غضاضة في أن يطلق الشتائم والدعابات العنصرية على اللاعبين أصحاب البشرة السمراء، والثاني بجانبه لا يستطع أن يكظم رغبته في مشاركة التندر بالسمين الأول - اغفر سهوي ذكر ذلك من البداية - مع ثالث لا يضحك لتأففه من الجلوس بجوار رابع مسيحي في نفسه غصة من الجلوس رفقة خامس ريفي ممتعض من الجلوس مجاورًا لسادس لا تنتهي سلسلة العنصرية المقنعة عنده، بل تستمر بغيره متلونة كحرباء تتوارى من حين لآخر بين أحراش الدعابات والأساطير الطفولية.ويبقي الشيء المشترك بين الجميع هو الثمن الباهظ الذي ندفعه..للمعلم صاحب المقهى.

                                 ******************

•مزيد من الغوص في البالوعة:


  "الثمن! يا لها من فكرة ممتازة؛ فلما لا تعمد الحكومة لرفع أثمان السلع والخدمات - أكثر من ذلك، هاه! - في القاهرة والإسكندرية فترغم بذلك الفلاحين الجرابيع على العودة لحصونهم الريفية" تلقي واحدة بذلك الاقتراح، بينما يلوم آخر الفنان محمد رضا - رحمه الله - على تنفيذه لإعلان التوعية ضد مرض البلهارسيا؛ فلولاه لما كان للفلاحين أن يعطوا ظهورهم للترعة ومن ثم لكانت تمكنت منهم البلهارسيا وهلكوا وأراحوا واستراحوا، في حين يتحمس فيلسوف ثالث لعقد مقارنة بين فلاح الوجه البحري والقبلي لنعلم أيهما أشد غباءً وخبثًا؛ تلك مشاهد شاهدتها بأم عيني على مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تسهم في انتشار العفن على قدر ما كشفته، كشفت كيف تمكن العفن من نفوس لا تبالي بإخراج ثعابين خرقاء تتلوى بثقة، ثقة جعلت من أحدهم يلقي بخيبة مصر على عاتق الغزو الريفي للقاهرة والإسكندرية! وليطمئن قلبك فلن نضطر لأن نخوض سويًا في نقاش يدحض ذلك الرأي العنصري؛ فقولوني العصبي يصدني عن ذلك رفقة اقتناعي بأن مناقشة السخافة لهو أمر أشد سُخفًا، كذلك صديقي الذي عرضت عليه الرأي إياه فنأي بجانبه عنه مبررًا ذلك بكون تناول ظاهرة تمثل فصول تاريخية يتيه المرء بين دهاليزها بتلك السطحية لهو أمر شديد الحماقة، كذلك شدد على الإشارة لعقدة احتقار الذات التي يعاني منها بعض من لهم رغبة في التملص من الجذور الريفية، تجعلهم يرددون مثل تلك الترهات التي ترضي عقول ضحلة رأت في "الفلاح" سبة، واقتصرت رؤيتها لدولة بأكملها على مدينتين أو مدينة؛ فقط لأنهم يحيون فيها!


  ولعل تلك النظرة السطحية ذات الطابع العنصري قد راقت للعديد من الحكومات المتعاقبة التي هيأت الراحة لنفسها بإهمال الأقاليم وبالتحديد الجنوبية، وساهمت في انتشار أكاذيب واتهامات تفشت بيننا عن جهل، فتنال من المستهدفين في اللحظة المناسبة وهي لحظة المطالبة بالحق؛ كحق أهالي النوبة المهدر، ولعل أهالي النوبة هم أكثر من عانوا من العنصرية اللونية والجغرافية والعرقية معًا، ولأنهم أرادوا الحق فلا سبيل لمواجهتهم إلا بالباطل الطاعن في وطنيتهم، وفي مواجهة الحق في مصر فطريق الباطل واضح؛ فلا يمهده سوى ترديد الإشاعات، فكررها وكررها ولا تمل فسيصدقك الناس، واطعن بنطاعة ولا تخف فسيلتف حولك المسوخ وسيخشاك الأحياء، فقط تذكر: هرتل بثقة.


  هذا المقال الممل قد انتهت أغراضه ولم يتبق سوى غرضين:

 - أما الأول فهو تذكير بأن محاولة تبرير البعض -كنت منهم- استخدام "الفلح" كسبة؛ بداعي كونها ترمز لثقافة وفكر أكثر منها لجغرافيا لهو تبرير جهول لعنصرية أبشع.

- وأما الثاني فهو حقك يا من تحملت سخافتي كل هذا الوقت؛ فبعد الشكر وجب إعلامك بمصدر الصوت المقزز الذي تذيل المشهد الافتتاحي للمقال، هل مازلت تتذكره؟ والحق أن مصدر الـ(خ) الممتدّة كان تمثال عرابي الرابض في الميدان، ولا تتعجب كثيرًا؛ فكما قالوا إذا عُرف السبب بطل العجب، فلا عجب أن يصدر الحجر هذا الصوت اعتراضًا على ما بدر أسفله من أحد الوافدين من الدقهلية وبالتحديد السنبلاوين؛ حيث تجرأ هذا الوافد على أحد الشراقوة ونعته بـ"الفلاح"، فيا له من زمن غَادر جعل من هذا الوقح يتجرأ على أسياده، هذا الوقح القادم من محافظة ممتلئة بالفلاحين الجرابيع البخلاء الجهلاء الـ.....مهلاً! لماذا توقفت الست أم كلثوم عن إطرابنا؟هل تسمع معي هذا الصوت المقزز مجدداً؟ صوت بشري عنيف مصدره الأنف يخيل للمرء أنه يتألف من سلسلة صوتية من حرف (خ) مكرر تتقطع نغماتها بالحلق...أخلاقك يا ست!

 



تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك