مناقشة في محيط الجامعة..حول ظاهرة التحرش الجنسي

476

دفاع عن المرأة في المجتمعات الشرقية ليس من قبيل الإطراء على المرأة، ولكن من قبيل الإطراء على جوهر العدالة، ففي كل واقعة تكون المرأة طرفاً فيها، ترزح الكفة التي تشغلها تحت نير أفكار عنصرية تكون بمثابة سهام تنغرس في كرامتها، فبالتالي إدارج المرأة الشرقية تحت مظلة طائفة من الطوائف التي لا بد أن تنضوي تحت مفهوم حماية حقوق الإنسان – مصطلح يهدف إلا حماية الإنسان، لا سيما الطوائف التي تتعرض لتعسف مثل المعتقلين والأطفال والمرأة والأقليات الدينية والجنسية –  واجب لا تفضل منا عليها.


فالاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها في مجتمعات أراضيها مخضبة بالعنصرية خير دليل على هذا التصور؛ ففي صقع من الأصقاع يأكل ميراث المرأة على مرأى ومسمع من الجميع، وفي لحظة أخرى لا يرف فيها جفن لأي فرد من أفراد المجتمع تُزوج طفلة لم تبلغ السن القانوني للزواج بعد سلب حقها في استكمال التعليم، هذا بجانب ازدواجية المعايير في التعامل في المحيط الأسرى مع الابن والابنة، فالانتهاكات المذكورة في الكلمات السابقة باتت بمثابة ناموس طبيعي لا تسترعي انتباه أحد أسوة بزيها وحجابها، ولكن خلال الشهور الماضية؛  تسلطت الأضواء على المرأة من جديد بمناسبة استشراء ظاهرة التحرش، رغم أن مصر في مصاف الدول التي تتفشى فيها مثل هذه الممارسات منذ زمن، ومن النهفات المجتمعية التي حدثت على أثر ذلك إزاحة المرأة من مقعد المجني عليه ووضعها في قفص الاتهام، فجنح فريق لا يستهان به من الرأي العام إلى إلقاء سيل من الاتهامات على المرأة التي تنال من كرامتها وشرفها، وكون فريق آخر دروعًا وقائيةً للوقوف على سدة درء هذه الاتهامات، وتملكت الشيزوفرينيا من فريق ثالث، واحتدمت المناقشات ما بين الفريق الأول والثاني في كل صقع من أصقاع المجتمع.


فعلى سبيل المثال: في محيط الجامعة نشبت مناقشة بين طالبين تبلور وجهتي نظر الفريق الأول والثاني، فمثل الطالب الأول الذي بدأ الحديث بصورة عفوية الفريق الأول وتذرع بكل الحجج التي تتدوال بين أروقة فريقه فقال تعليقًا على ملابس إحدى الزميلات: يتمنعن وهن الراغبات – مع الاسترسال في شتائم مقذعة تنال من شرفها – ويتهموننا بأننا نتحرش بهن، ماذا أفعل أمام فتاة مثل هذه الفتاة ترتدي ملابس تجسم مفاتنها، وأنا في ميعة عشريناتي، ولم أتزوج بعد، في نهاية الأمر أنا بشر، والشهوة تتمكن مني، اللوم عليها هي – ثم يبصق جانبه – وعلى أهلها.


لم يكن الطالب الذي ينضوي تحت مظلة الفريق الثاني ينوي خوض هذه المناقشة، ولكن المفرادات التي استخدمها الطالب الذي يحمل لواء الفريق الأول كانت بمثابة محل استفزاز بالنسبة له: فرد عليه بصيغة حادة: الفتاة التي ترميها بهذه الألفاظ النابية ليست على مستوى من الأخلاق وأنت على مستوى من الأخلاق، أليس هكذا تزعم؟! ولا أنت ولا المجتمع الذي تنتمي إليه تعرفون شيئًا عن الأخلاق، أنتم مدعون وأفاكون، ما شأنك بملابسها أيها الأرعن؟


فرد عليه الطالب الأول الذي اكفهر وجهه من أثر هذه الكلمات على نفسه بابتسامة يكظم بها غيظه: أأنت من الذين يدافعون عن المرأة؟ ماذا تعرف عن الدين؟ أتقبل على أختك أن ترتدي مثل هذه الملابس؟ لو افتراضنا أنك قبلت، سينطبق عليك مصطلح الديوث، سأقول لك معلومة ينبغي أن تضعها نصب عينيك؛ الفتيات اللاتي ترتدين مثل هذه الملابس، لم تأتين إلا لكي يتعرضن لمثل هذه الممارسات.


أنصب الغيظ الذي يتراكم في صدر الطالب الذي يمثل الفريق الثاني في صورة نظرة ازدراء، ثم قال بلهجة لا تخلو من الاستخفاف من الطالب الأول: من أنت ريثما تعرفني ديني أيها الأحمق؟ أتذكر واجبها الذي لا سلطان عليها فيه سوى سلطان الله – سبحانه وتعالى – وتغض طرفك عن واجبك أنت في غض بصرك، وتشيح وجهك أيضًا عن حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي يقول فيه (إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، ومن أنت أيضًا حتى تدفع بأختي في كلماتك المصبوغة بالبذاءة؟ أنت الآن تأخذ من زي المرأة ذريعة لتبرير التحرش، وتتعامى عن بيان الأزهر الشريف الذي يقول فيه: (إن زي المرأة وسلوكها لا يُسوغ للمتحرش جريمته النكراء، أو يجعل الفتاة شريكة له في الإثم).


فظهرت نتيجة هذه التفنيدات المقتضبة في رد لا يخلو من الاستنكاف عن النكوص عن هواجسه الشائنة والاعتذار عما بدر منه رد الطالب المنضوي تحت مظلة الفريق الأول: (برده البنات اللي بتلبس كده شمال)

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك