"لقاءك مرآة "قصة قصيرة

252

اختلج قلبي فور وصول دعوى من قبل صديق عزيز تعرفت عليه في إحدى الدورات التدريبية في اللغة الإنجليزية عبر وسيلة من وسائل التواصل الأجتماعي الرائجة في يومنا هذا، لحضور ندوة في ريادة الأعمال، بصفته أحد منظميها، وليس بالغريب على صديقي أدهم ذا الملامح الغربية، وطالب إدارة الأعمال في إحدى الجامعات المصرية، أن يكترث بإرسال مثل هذه الدعوى لي، نظراً لوطادة أوصال الصداقة بين وبينه، رغم معرفتنا التي لم تتجاوز الثلاث سنوات، وفي ذات الوقت، لا أفهم مناسبة إرسال أدهم مثل هذه الدعوى لي، وهو يعلم جيداً أن مثل هذه الأمور لا تشغل بالي كثيراً، لاسيما وأن محور أهتمامي يجافي محور أهتمامه، هل لأن أدهم بإنسانيته الرفيعة كان يريد أن يقوم بالتخفيف عني؟، خاصة بعد حوار مضن، دار بيني وبينه، ليلة البارحة؛ حوار مصبوغ بإحدى نقاط ضعفي وهي الشكوى من صعوبة التكييف مع القيم المجتمعية، أم لأن هذا من باب الترويج لندوة يقف على سدة تنظيمها ويود أن تكون ناجحة، فينكشف عن هذا حقيقة الدعوى التي تكون طلب دعم ضمني، أم أن هذا كما فسر لي أدهم من باب الإفادة لي، دون الرجوع إلي أي حسابات أخرى زائفة.

أياً كان السبب، لايعلم أدهم أن هذه الدعوى بمثابة نبش في جروح قديمة تمت بنعرتي الذكورية كنت أحاول تضميدها، نعم، أنسى أدهم؟، أن هناك فتاة تزامله في دراسته، كنت صرحت إليها بمشاعري، وقدمت إليها قلبي، وهو يكاد أن ينفجر من سرعة دقاته، وقابلت هذا بالرفض المضفى بالشفقة، لا لا أظن أن يتذكر أدهم هذا، ولكن كيف؟، أليس أدهم كان شاهد عيان على هذه الحادثة؟، أليس هو الذي دفعني أن أصرح إليها بمشاعري حتى لا يلحقني ضرر؟

لذلك ركست الدعوى بهذا: أدهم هل ضحى ستتواجد؟، أظن أنها ستتواجد، فلتذهب إلى الجحيم، لن أنسى ما فعلته معي، عندما صرحت إليها بمشاعري، لن أنسى الكلمات الباردة التي ردت علي بها (أنا لا أعرف ماذا أقول لك، ولكني مرتبطة)، ثم جاءت بعد ذلك؛ وقالت( معذرة يا يوسف، أنا بعتذر لك، ولكني مش مرتبطة، أنا لا أفكر في هذا الموضوع، أرجو أنك تصدقني وتسامحني)، لا لا يا ضحى، لا تتسرعى، وخوليني فرصة التقرب إليكي، وأسمحي لي أن أعرفك على نفسي بدون تنميق لذاتي، أن سوف أقوض الخطوط الحمراء، وأتحدث معكي كيوسف، وليس شاب يتوارى وراء أساليب مراهقية قميئة، أنا أود أن تكوني رفيقة رسالتي، نعم أنا أعلم أن تحقيق رسالتي ستدفعني ثمن نفيس، ولكني أحتاج دعمك، أتتذكر يا أدهم ماذا فعلت؟، قطعت أي وسيلة أتصال تجمعني بها؛ لذلك لا أريد أن أرى وجهها مرة أخرى، اللعنة عليها وعلى كل أقرانها من بني جنسها.

ماذا تقول يا يوسف؟ هكذا رد أدهم علي بعد التمحيص في رسالتي التي أرسلتها له عبر البريد الإلكتروني: هل بت عنصرياً يا صديقي؟، أهذا هو يوسف عثمان المدافع الصلد عن حقوق الإنسان؟، أهذا هو يوسف الذي كسر القيود المجتمعية وأطلق العنان لتفكيره وأرتدى بذلة الجرأة للتعبير عنها في مجتمعه محدود التفكير؟، لا يوسف لا يجب عليك أن تخسر إنسانيتك لأجلها، وهي لا تعنيك، ولم تجرم في حقك، تجاهلها كما تتجاهل صخرة عملاقة موجات هوائية ساخنة ومتربة ارتطمت بها، ولكنها لم تستطع أن تزيحها عن موضعها، أجعل إنسانيتك ورسالتك التي تهدف إلى الدفاع عن حقوق الإنسان هي الصخرة العملاقة، وأجعل قسوتها على قلبك الموجات الهوائية التي لا يد لها في اندفاعها نحو الأرتطام بالصخرة، سأنتظرك يا عزيزي أنت وصديقك عمر.

تذكرت أن صديقي عمر كان يريد أن يحضر هذه الندوة، لأهتمامه بذات المجال الذي يهتم به أدهم؛ لذلك يجب علي أن أذهب إلى الندوة مع عمر، لجهل عمر بالمكان من ناحية، ولدعم أدهم من ناحية أخرى؛ فرددت على أدهم: سأتواجد أنا وعمر إن شاء الله.

تحين الوقت للذهاب إلي الندوة، فبناءاً علي الأتفاق المسبق؛ ذهبت مع عمر إلى الندوة، وترددت قليلاً قبل الولوج إلى داخل القاعة، ولكني تذكرت كلمات صديقي أدهم، فدخلت مع عمر القاعة؛ ووجدنا في الأستقبال منظمين الندوة؛ وكانت ضحى ذات الوجه الطويل الأقرب إلى البيضاوي المزدان بعينين سوداوتين وأنف صغير وشفتين مكتنزتين قليلاً، تجاور صديقي أدهم في مهمة أستقبال المدعويين والمدعويات، توقف الزمن للحظات، عندما رأيتها ورأتني عن بعد، ولكني تداركت الأمر؛ فأستقر نظري عند موضع قدمي، متخذاً حِيطتي من أن تقابل عيني عينيها، ورفعت رأسي مرة أخرى عندما رن صوت صديقي أدهم في أذني؛ لكي يصافحني ويوجهني إلي مكان القاعة، وأثناء ما كان يحاورني أسترقيت النظر ناحيتها، وكانت هي أيضاً على غراري تختلس النظر إلي، ران الصمت في خيالي السارح فيها، وصمت أذني دون قصد عن كلمات أدهم، ووجدت أدهم يوجهني ناحية القاعة، التي لبثت فيها دقائق معدودة، قبل أن أتقدم بإعتذار لأدهم و عمر عن أستكمال الندوة، بعد أن هطلت علي نوبة من نوبات الصراحة بعد لقاء ضحى تحتم علي الجلوس وحيداً؛ لأواجه نفسي في مرآة لقائها؛ لماذا شعرت بالآسى عندما رفضت قلبي؟، لماذا ألحيت عليها وهي رافضة لي؟، أليس أنا من تجنبت أكثر من فتاة وقعتن في غرامي؟، لأني أفضل دائماً رسالتي التي بالنسبة لهن محل جنون، لو أفترضت أنها بادلتني المشاعر؛ هل من الممكن أن أضحي برسالتي لأجلها؟، بالطبع لا، كنت سأضحي بها هي إذا وقفت عائق بيني وبين تلبية مقتضايتها، هل المشاعر محل للشحاذة؟، بالطبع لا، لماذا غضبت وتفوهت بعبارات من قبيل اللعنة عليها وطرحت مبدأ من المبادئ الذي أدافع عنه أرضً، آن الآوان أن تقول الحقيقة التي تواريها عن نفسك؛ أنت لم تحبها قبل أو بعد، مثلها مثل الفتيات التي عرفتهن قبلها، لن تسمح لهن بأن يأخذوك من موقعك الدفاعي عن حقوق من تؤمن بقضايهم، والمآسي والأحزان التي تتجشمها، ليست آلامك على فراقهن، بل آلامك هي كبح نعرتك الذكورية المريضة، تباً لنعرتك الذكورية إذا جاءت على أنقاض المبادئ التي تدافع عنها، تباً لنعرتك الذكورية إذا رزحت بالمشاعر النبيلة الصادقة تحت مسمى حب أمتلاك، أأسف لكي عزيزتي ضحى؛ لأني سمحت لذكوريتي المريضة من أن تقودني إلى هوة سحيقة من الشيزوفرينيا، سيبقي لقائك مرآة تفضح لي أنانية وأستبداد ذكوريتي.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك