أين نحن الأن.. عقلية المقاول ووضع الاقتصاد المصري

439

     هذا هو المقال الثاني في سلسلة "أنن نحن الان؟" عن الوضع الحالي لمصر علي أصعدة مختلفة من خلال قراءة تغير الأفكار التي تحكم مصر اجتماعيًا، وثقافيًا، وفنيًا، وسياسيًا. 

       هناك قراءات كثيرة متباينة للوضع الاقتصادي المصري؛ فهناك إتجاه يري أن مصر تتقدم اقتصاديًا، ويؤيد هذا الموقف نفسه بتحسن قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، وبزيادة احتياطي النقد الأجنبي. وهناك إتجاه أخر يري أن مصر تنهار اقتصاديًا، وقد يعود الدولار للصعود أمام الجنيه بل وقد تشهر مصر إفلاسها، ويستند هذا الإتجاه إلي قيمة الديون التي غرقت فيها مصر والتي وصلت في نهاية 2018 إلي 93.1 مليار دولار، والدين المحلي الذي يقارب 4 تريليون جنيه.  وبوجه عام يري الإتجاهان أن مصر بلد فقير، ولا يمتلك مصادر مثل النفط. 

         وعلي صعيد أخر يري الكثيرون أن النهضة العمرانية التي تشهدها مصر دليل علي تقدم مصر خاصة وأنها ساهمت في تقليل نسبة البطالة، وتشغيل أعداد عملاقة من العمال، وأنها كذلك تغير شكل مصر، وتجعلها تقترب من نموذج الإمارات خاصة في المخططات العمرانية العملاقة الزجاجية في العاصمة الإدارية الجديدة. بينما يري الإتجاه المهاجم للدولة أن إنفاق الدولة علي الجسور، والعاصمة الإدارية الجديدة، وبناء المساجد، والطرق هو من باب تبديد الثروات في لحظة صعبة اقتصاديًا علي مصر.  

        هنا سأقوم بتسمية الوضع المصري الحالي "فيضان المقاولات"، وسأسمي هذه العقلية "عقلية المقاول المصري الضخم". منذ عصر عبد الناصر، وبدأت مصر في التوسع عمرانيًا علي حساب الأراضي الزراعية، وبأشكال معمارية حديثة عشوائية وقبيحة. وتركت مصر خلفها ميراثها الحضاري العمراني الفني، ولم يعد لشكل العقار أهمية، ولا حتي لكونه مريح للقاطنين فيه بل صار الأهم هو تكديس أكبر كم من البشر، والتوسع في زيادة العقارات، ولاحقًا زيادة المكاسب الهلامية غير العادلة للمقاولين. وللأسف ساهم في إنتشار هذه العقلية أموال العائدين من الخليج، وزيادة أعداد خريجين كليات الهندسة بالذات. فأصبح العائدون من الخليج يستخدمون أموالهم إما في بناء بيوت جديدة لهم علي الأراضي الزراعية أو في استثماراها في المقاولات. 

           وبعيدًا عن الكارثة الطبيعية التي حدثت لمصر عندما فقدت مئات الاّلاف من أفدنتها الزراعية، وعندما تحول نظام البناء من الطوب اللبن إلي الخراسنة التي تحتاج مزيدًا من المكيفات، وبالتالي مزيدًا من الاستهلاك، والتلوث فقد أحدث إنفجار المقاولات كارثة فكرية، وثقافية هي "عقلية المقاول المصرية". عقلية المقاول هي عقلية شخص يريد أكبر كم من العائد النقدي بسرعة، وبأقل تكلفة، وبأقل جودة. عقلية المقاول هي عقلية شخص يؤمن بالقوة، ويتعامل يوميًا مع عمال جاهلين يحكمهم بالعنف، ويحاول أن يقلل قدر استطاعته من الأموال التي يعطيها لهم، ولا يحاول أن يزيد مهاراتهم أو تعليمهم أو حرفيتهم لأن ما يعنيه هو تسليم المباني بطوبها الأحمر بأسرع ما يمكن، وبدون تشطيب حتي! عقلية المقاول هي عقلية شخص عشوائي يحاول أن يستغل تقلب الأسعار، ويحاول تحقيق الأرباح بدون استراتيجية واضحة، ويساير تيار الأسعار، ويتعامل مع السوق جيدًا ولكنه لا يستطيع أن يعطي نظرية اقتصادية واضحة ولا يضمن مسارًا واضحًا يسير عليه فكريًا. هو يعرف فقط بالحدس وبمراقبة السوق أنه سيحقق أرباحًا لكنه لا يعرف أكثر من ذلك. كل ما يحكم المقاول هو الأرباح المالية السريعة ولايفهم لغة سواها. 

             عندما تغلغلت هذه العقلية في مصر تسللت تدريجيًا لمختلف طبقات المجتمع ثم الدولة. والاّن تحكم مصر هذه العقلية في الاقتصاد السياسي. فمصر تتوسع في البناء بنفس الطريقة الحديثة الخرسانية الزجاجية المتناقضة مع مناخ مصر الصحراوي. وتحولت الدولة لمقاول ضخم يقترض الأموال من الخارج، والداخل لأجل إنشاء مزيد من الطرق، والمباني، والمساجد، وخلافه. وكأي مقاول فلا تفهم الدولة سوي لغة الإنجاز السريع فتحاول إتمام أكبر قدر من المشاريع المقاولية العملاقة في أسرع وقت ممكن. ورغم ما يمثله ذلك من إنجاز محترم في خدمة منظومة الطرق التي عانت من التهالك سابقًا إلا أن هذه العقلية تقود لكوارث. أولاً لأنها لا تفكر في البعد البيئي، والتلوث، و تنسخ نموذج الإمارات بدون تركيز في الاختلاف الثقافي، وإمتلاك مصر لموروث عمراني ثري يجب إعادة إحيائه. ثانيًا لأن عقلية المقاول عقلية قصيرة المدي، ولا تنظر للأمام؛ فالاستثمار في التعليم أو التدريب علي الحرف التقليدية أو تدريب الأيدي العاملة استثمارات تفيد مصر علي المدي البعيد أما الاستثمارات المقاولية فهي مثل أعمال أي مقاول لا تفيد إفادة حقيقية إلا لطبقات اجتماعية قليلة تستطيع شراء عقارات، ولا تستخدمها في شيء إلا تسقيعها. ثالثًأ لأن عقلية المقاول عقلية فارغة فكريًا لا تنظر لأسباب ما تفعل فمثلا لا يمكن أن تسأل مقاولاً لماذا تكلف مسجدًا 800 مليون جنيه؟ هل سيعود بفائدة علي المجتمع؟ لا يمكن أن تسأل مقاولاً لماذا اخترت هذا التصميم المعماري بالذات هل يناسب ميراثك الحضاري؟ لماذا تعامل عمالك بهذا القدر من الاستغلال لتحقق مزيدًا من الأرباح؟

        رابعًا فإن المقاول لا يملك فكرًا اقتصاديًا واضحًا، ومخططًا ثابتًا فكل ما يعرفه هو قراءة السوق وحسب. ولذلك فلا نملك معرفة واضحة ومحددة لمسار مصر الاقتصادي، ونجد أنفسنا أمام أراء متناقضة تمامًا عن مستقبل الاقتصاد المصري القريب! فلا تساءل مقاولاً مقامرًا علي رؤية واضحة، فهو لا يملك إجابة. 

            خامسًا فالمقاول لا يفهم إلا لغة المصادر المالية المباشرة أمامه. فهو عائد من الخليج محمل بأموال أخذها نتيجة النفط، ولذلك فهو لا يفهم مالاً إلا البترودولار. المقاول لا يعرف قيمة الاّثار إلا أنها يمكن أن تهرب وتباع ويحصد منها ربحًا سريعًا، ولا يعرف قيمة التراث، ولا قيمة الزراعة، ولا قيمة الصناعات اليدوية، ولا قيمة صناعات النسيج، والمنتجات الطبيعية. المقاول يري كل هذه الأشياء لا تصنع ربحًا لأنه لا يملك أن يفكر للأمام؛ فهو لا يعرف أن ينظر إلا أسفل قدميه. 


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك