لماذا لم تحرك فيديوهات محمد علي ساكناً في الريف المصري؟

363


بواسطة هاتفه المحمول؛ أطل المقاول والممثل المصري محمد علي على الرأي العام المصري بمجموعة من الفيديوهات التي أيقظت الرأي العام من سباته الذي ما لبث أن تفاعل مع هذه الفيديوهات عبروسائل التواصل الأجتماعي (الفيسبوك – التويتر)، فبالتزامن مع تواتر هذه الفيديوهات التي أثارت حفيظة العديد من المواطنين والمواطنات أنتشرت الدعوات المطالبة للنزول في تظاهرات منددة بما سماه محمد علي صاحب المبادرة الأولى بالفساد السياسي، مما أسفر ذلك عن حدوث تظاهرات يوم 20 سبتمبر/أيلول - بعد مباراة السوبر المصري بين الأهلى والزمالك- في بعض المحافظات التي تولى رصدها عدد من المواقع الصحافية المستقلة وعدد من المدونين، وهذا بغض النظر عن الأتهامات التي وجهت إليهم من قبل الأبواق الإعلامية المصرية بتزيف وفبركة هذه الفيديوهات، فكان مغبة هذه الدعوة بعدما باتت أمر واقع يوم 20 سبتمبر/أيلول حملة أعتقالات واسعة تعتبرهي الأوسع منذ وصول الرئيس الحالي إلى سدة السلطة وفقاً لمزاعم مراكز حقوقية مصرية وغير مصرية ومواقع صحافية مستقلة مصرية وعربية وغربية.


أما على صعيد الريف المصري؛ لم تحرك فيديوهات محمد علي ساكناً على غرار المدن التي أحتضنت هذه التظاهرات، فأكتفى القاطنون في هذه المناطق بالهمهمة فيما بينهم، وإن كان تخلل هذه الهمهمة تباين في وجهات النظر حول مدى مصداقية هذه الفيديوهات، وحول محمد علي نفسه الذي وصمه البعض بالفساد، ووصمه البعض الآخر بالبطل الشعبي، وصفه فريق ثالث بالمتيم بالشهرة وبالفاسد أخلاقياً، فضلاً عن السخرية من المفارقة التي جعلت من مالك لأموال عقارية ومنقولة (مليونير) مثله يتحدث بأسم الدهماء من الناس، ويزعم بأنه شديد الأتساق بهم، ناهيك عن تصديره بشكل أو بآخركبطل شعبي وثوري من قبل قطاع من المصريين والمصريات .


فهذه هي كانت فحوى النقاشات التي كانت ومازالت تدور بين الناس في الريف في الوقت الراهن، ولكن هذه النقاشات لاتعدو عن كونها (فضفضة) بين كل مجموعة من مواطنين ومواطنات هذه المناطق تجمعهم رابطة قرابة أو صداقة سرعان ما تندثر عند التواجد في وسط محيط كبير من الناس أو في الطرقات العامة على نقيض ما كان يحدث آناء الليل وأطراف النهار في الفترة ما بين ثورة 25 يناير/كانون الثاني وبيان 3 يوليو/تموزفي كل مكان وزمان دون أن يعبأ المتناقشون بتبعات نقاشاتهم آنذاك، أما الآن- فبدون مبالغة- ضرب الخوف أطنابه في المجتمع الريفي، فالسواد الأعظم- من القاطنين في هذه المناطق- انزوى خشية من آذان الأجهزة الأمنية بل بات أفراد المجتمع ينتهجون فلسفة جديدة تحثهم على أن يلوذوا بالصمت ويتجنبوا الدخول في أي نقاش على الملأ مع أي شخص يتحدث في أمور الشأن العام بصورة معارضة للسياسة العامة في الدولة.


أما فيما يتعلق بالدعوة التي وجهت من قبل محمد علي للتظاهر؛ فجميع مواطنين هذه المناطق أشاحوا بوجوههم عن هذه الدعوة وشغلوا المقعد المفضل بالنسبة إليهم وهو مقعد المتفرج، فتفاوتت ردود أفعالهم التي كانت بالطبع بمثابة غمغمة فيما بينهم كما سبق الإشارة؛ ما بين ساخر من الدعوة، ومؤيد يخشى من أن يعرف أحد تأيده، ومعارض يقوم بإلقاء الأتهامات على الداعين والمروجين فيتهمهم بأنهم ينتمون إلى جماعة الأخوان المسلمين تارة، وأنهم ممولون تارة أخرى، بيد أن هناك فئة أخرى السواد الأعظم فيها ينتمي إلى الفئة العمرية المتمثلة في الشباب يعتقدون أن فكرة النزول في هذه التظاهرات هي فكرة في منتهى السذاجة، ولا ينبغي الأنصياع لهذه الدعوة بل أن الأنسياق وراء هذه الدعوات ضرب من ضروب العبث، فيرون أنه من العبث قبول دعوة صاحبها يقطن في الخارج، فضلاً عن أن قبول هذه الدعوة بمثابة الوقوع في براثن الأجهزة الأمنية؛ لذا لاينبغي التعاطف مع سذج، إلا أن هناك فئة أخرى تختلف مع هذا الرأي، وترى أنه لابد من التعاطف مع من تملص من وطأة الخوف ونزل إلى الشارع وأنه من العيب أن يتم الأعتقاد بأنهم نزلوا إلى الشوارع بناءاً على طلب المقاول وذلك لأنه ما هو إلا وسيلة تم من خلالها تحريك مياه المجال العام الراكدة من ناحية أولى، وتمكنت من تجميع الناس في الشوارع من ناحية ثانية؛ لذلك فإن الناس الذين أنضموا إلى التظاهرات كان الدافع الرئيس لنزولهم هو تردي الأوضاع في مصر على جميع المستويات.


كان هذا هو الحال فيما بين جمعة مباراة السوبر، والجمعة - التي تلاتها- التي سميت بجمعة الخلاص من قبل مروجي فكرة النزول في الميادين، إلا أن حالة الترقب للجمعة التي عرفت بالخلاص كانت تزداد رويداً رويداً بإقترابها لاسيما بعد المفاجأة التي تمثلت في نزول مواطنين ومواطنات إلى الشوارع في جمعة مباراة السوبر، ولكن سرعان ماتلاشت حالة الترقب بعدما تجلى للكافة فشل هذه التظاهرات؛ فخيم الصمت على الفريق المناوئ للرئيس الحالي، والمتفائل بنجاح هذه التظاهرات، وأضحت ردود الأفعال أكثر حدة من قبل مؤيدي الرئيس الحالي، فكانت كلها عبارة عن عبارات ترمي إلى النكاية في الداعين لتظاهرات هذه الجمعة التي باءت جهودهم فيها بالفشل.


فها هو أحد مؤيدي الرئيس الحالي يوجه تساؤل بعدما بلغ به الزهو أقصاه إلى جميع متابعيه عبر صفحته، وهو يشارك عبر صفحته على موقع التواصل الأجتماعي (الفيسبوك) أحد الفيديوهات التي يتجمهر فيها مؤيدو الرئيس الحالي في الشوارع : (فين ولاد الوسخة الخونة المتمولين اللي عايزين يخربوا البلد)، وهذا آخر يطلق على نفسه شيخ المشايخ يشارك أحد الفيديوهات للشيخ أبو إسحاق الحويني عبر صفحته عنوانه (مستقبل مصر ضباب والأستبداد أفضل من الفوضى)، كما أنه أعرب عن دعمه للسيدالرئيس عبر صفحته على موقع التواصل الأجتماعي (الفيسبوك)، وذلك لأجل مزيداً من الأستقرار - والتقدم والإزدهار- الذي يحاول أن يهدمه المخربون وعلى رأسهم ما وصفه بالراقص ومدمن المخدرات والعربيد (وبتاع النسوان)، وهذا مؤيد آخر يستنكر بشده هذه التظاهرات ويعبر بدوره عن رأيه هذا عبر وسيلة التواصل الأجتماعي الفيسبوك بقوله: (مش مؤيد للرئيس ده حقك، ولكن عايز تعمل ثورة تانية جتك كسر حقك، لايلدغ المؤمن من الجحر مرتين).  


وهذا معارض من معارضي الرئيس الحالي ومؤيد لهذه التظاهرات يقسم بعدما أستبدت الشجاعة به بأن هناك (أتوبيس رحلات) جاء مصحوباً بخفير لكي يشحن بمواطنين إحدى القرى التي تقع على مقربة من قريتنا للذهاب إلى أحد التجمعات التي يتواجد فيها مؤيدو الرئيس الحالي لشد أزرهم، وهذا آخر يتذرع بفيديوهات تبثها إحدى القنوات الفضائية لكي يثبت أن هناك تظاهرات حدثت بالفعل رغم إدعاءات التلفزيون المصري ومؤيدين الرئيس الحالي التي تتجافي مع إدعاءاته.


وها هي الشريحة الكبيرة من المجتمع الريفي التي أعتصمت بالصمت وآثرت السلامة على المشاركة في أي حراك داعم لأي من الطرفين -حتى ولو كان من خلال وسائل التواصل الإجتماعي- قد يفضي بها إلى مصير مجهول، فأنشغل أفرادها بأشغالهم مع قضاء أوقات فراغهم في متابعة الآخبار ومباريات كرة القدم والمسلسلات، وذلك من باب تزجية الوقت.


فهذا هو الوضع الآن في الريف المصري؛ فإن كانت فيديوهات محمد علي أحدثت ثمة حراك خلال الأسابيع الماضية في المدن الكبرى فإنها لم تحرك ساكناً في الريف المصري الذي شغل مقعد المتفرج وكأن على رؤوس أفراده الطير.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك