نصف وصفة لعمل سمك السلمون بالقلقاس!

298

بعض الأمور لا تدري أبداً كيف حدثت، أقصد بمعايير التفكير السليمة، لا تستطيع أبداً ان تصل للنتائج عبر المقدمات، مثلاً أن تضع على الطاولة أمامك صينية فراخ بالبطاطس، ويخبرك أحدهم أنه طبخها بوصفة طبية ممتازة أعطاه له أحد خبراء الرسم في معهد السينما العالي حينما كان يحضر محاضرة عن الاقتصاد الشيوعي للفيلسوف العلامة الفقير لله الشيخ محمد عبده. 

ولما كان في طريق عودته لبيته عمل بنصائحه وأشتري السمك والقلقاس وطهي صينية الفراخ والبطاطس التي يضعها امامك الآن.

من نفس المعطيات السابقة، تستطيع أن تفهم كيف وصل كل ذي سلطة إلى منصبه، الغريب أن النظام الفاشل يجذب أمثاله إلى كافة السلطات، ففور أن يصل لرأس السلطة شخص غبي وكاذب حتى تنتقل العدوى إلى الجميع، من وزراء ومحافظين ورؤساء محليات ومسؤولي الإدارات في الشركات حتى أصحاب العمل الخاص، كل شيء يصبح خطأ غير مفهوم.

تفقد الدولة قدرتها على المنطقة، وباختفاء المنطق، تبدأ العبثية تحتل الصورة ومنها يخرج كل شيء عن إطاره الصحيح، وببساطة نتجه بسرعة نحو الهاوية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً، كما نرى بالفعل في الواقع.

في كل مكان نقابات ووزارات وشركات، مستشارين في أمور لا يفقهوا عنها شيء وهم بالأصل أنصاف في قدراتهم الخاصة التي لا علاقة لها بما يشيرون فيه بالأساس!

تسعة عشر لواء من الجيش والشرطة في منصب محافظ من أصل سبعة وعشرين محافظة، أي أن نسبة تعيين اللواءات والقيادات الأمنية في منصب سياسي مدني بالأساس حوالي 70%.

من الجدير بالاهتمام أيضاً أن السيد وزير التنمية المحلية الحالي هو نفسه لواء! بالإضافة إلى أن نسبة 75% تقريباً من حركة المحليات الأخيرة هي للواءات، إلا اننا لا نعرفهم بشكل مباشر سوى في حالة الاحتكاك بهم أو إلقاء القبض عليهم متلبسين برشوة كما جرت العادة!

عسكرة الدولة جزء لا يتجزأ عن الموضوع الذي نناقشه، رجل الجيش ظل مقرون ذكره بالإجلال والاحترام في كثير من الأجيال، ولكننا لابد أن نتذكر أن آخر مرة حمل فيها المجند المصري السلاح ضد العدو الحقيقي كانت في حرب 73، أي منذ خمسة وأربعون عام تقريبا!، مما يعنى أن هناك جيل كامل ممن يصل عمرهم للستين مثل السيد رئيس الجمهورية لم يحضروا حرب واحدة!

أما الحروب الباردة التي تدار من مكاتب المخابرات فهي في الغالب أضحت موجهة ضد الشعب لضمان استمرارهم في مناصبهم فحسب. 

ومع تهور الوضع الأمني على الحدود وتراجع السياسات المصرية بشكل مزري لمداهنة حقيرة مع العدو الصهيوني، أظن أن علينا أن نعي أن لقب المحارب فقد هيبته في معتقدات المصريين وأضحى رجل الجيش، مجرد سياسي آخر في الغالب مرتشي وفاسد ومستبد فحسب.

وأظن أن هذا من أكبر المصائب التي يتعرض لها الوطن اليوم، سقوط هيبة رجل الجيش بسبب "حشرتهم" في مستنقعات السياسة، ففي عام واحد تم إلقاء القبض على لواءات جيش متلبسين برشوة في عدد مختلف من الأحياء، فبالإضافة لعدم أحقيتهم للمنصب، وانعدام كفاءتهم بالأساس في عمل ميداني ومدني، فإنهم يفقدون هيبة الجيش بسقوطهم في بئر الفساد السياسي.

إذا فبالإضافة لإتباع سياسة الرجل الغير مناسب في المكان الغير مناسب، فنحن أمام مصيبة أخرى وهي تفضيل أولويات خاصة بدعم ولاء استمرار الجنرال السيسي، في الحكم عبر إرضاء رجال الجيش بمناصب متفرعة في الدولة دون حصولهم على الحد الأدنى من القدرات التي تؤهلهم للمنصب، وحينما يسقطوا في الفشل أو الفساد يلوثون معهم شرف البدلة العسكرية التي يرتدونها أيضاً!

 وعلى صعيد آخر فإن أصحاب أنصاف العقول، يتم تصعيدهم لمناصب عليا وقيادات إعلامية ورموز صحافية، فتجد الخطاب السطحي الفارغ، والصوت العالي بلا معني، وتجد الكلمات الرنانة، البروبجندا العسكرية الشهيرة تملأ الأجواء أينما نظرت، جرائد أو مجلات، مواقع إلكترونية "غير محجوبة" أو حتى صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل، خراء فكري بحت مسطح، يتم بثه بقوة وبصوت عالي، في مشهد يجعل من مصر أشبه بمعسكر اعتقال هدفه وأد العقول في مهدها.

وبالفعل ظهرت نتائج عملهم على الفن وهو مرآة المجتمع دائماً، فبعد أن أثمرت الثورة عشرات المواهب الفنية المبدعة، انفجرت مواسير النظام الفاشي لتظهر الغث على الثمين، فتُشهر المؤدي هذا والمغني ذاك على حساب أصحاب الفن الأصلي، لأنهم مسطحون يشبهون الماشية التي تساق بالعصا، وكذلك في الكتابة والمسرح وكل ما يتعلق بدنيا الفن.

دعم النظام أنصاف المواهب والعقول، ودحض كل فنان حقيقي، والسبب ببساطة أنه لا يوجد فنان يقبل قيود أو توجيهات من نظام عسكري أو ديني، في حين أنه لا نظام فاشي يقبل فنان حر يستطيع أن يخرج عن سياقهم.

وأريد أن أوضح أننا نتحدث عن نظام أعلى درجة من النظام السابق المباركي من حيث الديكتاتورية، فهو لا يكفيه أن تردد خلفه نفس "المعنى" الذي يريد إيصاله، إنه يريد منك أن تردد "نصاً" ما قاله، فإن قال لك أن مصر لا يوجد بها معتقلين سياسيين، فوراً تجد نواب برلمان في كل مكان وإعلاميين وصحافيين يرددون نفس الجملة نصاً، دون تجميل او تبرير قد يجعلهم حتى يبدو بمشهد الفاهمين!

هذا النظام يكره العلم، حتى وإن كان علم يدعمه، هو فقط يقبل بالتصفيق وهز الرأس، وهذا الفعل لا يقوم به إلا الأنصاف.

وعليه فإنك تجد في الجامعة والمصالح الحكومية، وفي الجرائد والمجلات، في النقابات، في كل مكان سواء قائم على التعيين أو الانتخاب، يتم الزج بأنصاف العقول بدون أي إنصاف للمهنية والكفاءة، مما يقضي تماماً على أمل وصول الكاملون -إن جاز الوصف-لأماكن يتمكنون عبرها من دفعنا للخروج من الازمة.

وماذا عن الكاملون؟

إنهم البدلاء، هذا هو الجواب ببساطة، كل من اكتمل عقله وقلبه وامتلك علماً ومهنية حقيقية هو البديل لكل هذا الهراء!

وأين هم البدلاء؟

في السجون، والمهجر، وساكنون في ظل السور صامتون، أو لازالوا يملكون متنفس من الحرية حتى حين! 

الأزمة التي نحياها من بعد احتلال القوى الفاشية من دينين وعسكريين للثورة المصرية، تتخطى كون قد حكمنا حاكم ديكتاتور، الأزمة تتخطي الفاشية، إلى الغباء والكذب والتخبط، حتى أن مقارنة النظام الحاكم المصري بصور الديكتاتورية المنهزمة الممثلة قديما في النظام النازي مثلا أو أنظمة الاتحاد السوفيتي تعد بمثابة سُبة للفاشية!

والخروج الوحيد من تلك الأزمة، هو بالسماح بوجود بدلاء للنظام في الساحة الخاصة بالدولة، نحن لا نتحدث عن رأس الدولة فحسب، بل أكثر من ألف منصب قيادي موزع بين مسؤوليات وحقائب حكومية مختلفة، وللأسف فغن النظام الفاشي لا يسمح بالتنوع ولن يتيح مساحة للبدلاء، إذ انه لا يتحمل حتى المدونون فما بالك ببديل له!

نحن نحيا عصر الهزيمة، الهزيمة المطلقة، في السياسة والجيش والاقتصاد، والفن بكافة أنواعه، لا غناء ولا شعر ولا موسيقي، هزيمة مطلقة للهوية المصرية، تحرق ما قدمناه قديماً، ستستمر حتى ننتهي وتنهي ماهية الوطن.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك