في عيد ميلاد "أرزة لبنان" .. فيروز أغنية خالدة للحب والحرية

712

- فيروز : السيدة التى تسقينا الحب كل صباح -

بقلم : ايهاب القسطاوى

«هناك أشخاص رسموا ملامح الحياة ، ماذا لو لم يكن هناك فيروز ، أعتقد أننا لم نكن لنفهم معنى صوت الروح ، فعندما تجتمع رقه وقوة الاحساس فى صوت واحد ، فهنا يتبادر الى الذهن الفنانة فيروز او" جارة القمر" او "أميرة الحب" ، او " يمامة السلام" ، او"جارة القمر" او "سفيرتنا إلى النجوم" او "عصفورة الشرق" او" أرزة لبنان" ، هى جمعيا ألقاب حصدتها "فيروز" خلال مسيرتها الفنية، الممتدة لأكثر من ستون عاما قدمت خلالها نحو 800 أغنيةكما لقبونها ، انها جوهرة من الاحاسيس لمست قلوبنا بغنائها المتميز وصوتها العذب ، الذى لم يعرف الغناء صوتا أرق منة ، هى من تسقينا الحب كل صباح بأغنياتها ، هى من ازهرت طرقات القدس بشدوها ومن ارجحت العودة د بين احبالها الصوتية فما زال طفل المغارة قابع في نبضها و ما زالت فلسطين تنتظر غسل وجهها بصوتها وماء الزعتر ، فلا حدود لصوتها، ولا حواجز تحول دون ملامسته ، صنعت ارشيف من الاعمال الفنية التى خلدت فى ذاكرتنا.

هي نهاد وديع حداد ، ولدت فى 21 نوفمبر 1935 لعائلة سريانية كاثوليكية بسيطة الحال ، كانت فيروز، الطفلة الأولى للاسرة ، ونشأت وترعرعت في منزل متواضع في حي زقاق البلاط القريب من وسط بيروت ، كان الجيران يتشاركون مع أمها "ليزا البستاني" أدوات المطبخ في ذلك البيت المؤلف من غرفة واحدة ، أما الأب الهادئ الطباع ، ذو الخلق الرفيع ، فكان يعمل في مطبعة تسمى "لي جور" ، كانت فيروز تعشق الغناء منذ نعومة اظافرها ، إلا أن الأسرة لم تكن تستطيع شراء جهاز راديو، فكانت تجلس إلى شباك البيت لتسمع صوته السحري قادمًا من بعيد، حاملًا أصوات أم كلثوم ، ومحمد عبد الوهاب، وأسمهان، وليلى مراد ، بدأت مشوارها الفني ، يوم كانت تلميذة في مدرسة "حوض الولاية" للبنات ، كان الأخوان محمد وأحمد فليفل ، يحضران لتقديم عمل عنوانه "نشيد الشجرة" عبر الإذاعة اللبنانية، وكانا في حاجة لأصوات جميلة، فبدأ رحلة التفتيش عبر المدارس، وتوقّفا في "مدرسة حوض الولاية"، حيث قدمت إليهما مديرة المدرسة سلمى قربان فرقة المنشدات التي راحت تنشد أمامهما. لفت سمع محمد فليفل صوت التلميذة الصبية نهاد حداد، فتبناها فنيا، وأدخلها الكونسرفاتوار لتدرس أصول الموسيقى في إشرافه. بعدها، دخلت نهاد حداد الإذاعة اللبنانية، واختير لها هناك اسم فيروز ، في الاذاعة اللبنانية، التقت المغنية الفتية بالأخوين عاصي ومنصور رحباني، ودخلت معهما سريعا في تجربة فنية جديدة ، وكانت انطلاقة فيروز الجدية عام 1952 عندما بدأت الغناء بألحان الموسيقار عاصي الرحباني الذي تزوجت منه بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات ، وأنجبت منه أربعة أطفال ، وكانت الأغاني التي غنتها في ذلك الوقت تملأ فضاء الساحات الإذاعية كافة ، وبدأت شهرتها في العالم العربي منذ ذلك الوقت ، وكانت أغلب أغانيها آنذاك للأخوين عاصي ومنصور الرحباني ، شكل تعاون فيروز مع الأخوان رحباني مرحلة جديدة في الموسيقى ، حين تم المزج بين الأنماط الغربية والشرقية والألوان اللبنانية في الموسيقى والغناء ، حتى باتت فيروز قمة من قمم الغناء العربي تمثل طرازاً فريدا ، قلدها وزير الثقافة الفرنسي جاك لانغ وسام الفنون والآداب في عام 1988، وقال حينذاك : "إنك تملكين سيدتي صوتا أكبر في ذاكرتنا وحنيننا إلى هذا اللبنان الذي كان فردوسا أرضيا وبرهانا حيا عبر عشرات السنين على التكامل الضروري والثري للثقافات والأديان" ، لتمنح بعد ذلك "جائزة القدس" ، وقلدتها تونس "الوسام الوطني للإستحقاق الثقافي"في العام 1997، ووهبها الملك حسين أرفع أوسمة الأردن بعد عام ن ثم كرمها الرئيس الفرنسي جاك شيراك في العام 1998، ووهبها وسام جوقة الشرف ، في العام التالي، اختارها الصليب الأحمر الدولي عام 1999 سفيرة تمثل العرب في العيد الخمسين لاتفاق جنيف حيث غنّت من كلمات جبران “الأرض لكم” عوضاً من إلقاء كلمة.

جمع حب فيروز المصريين واللبنانيين، وتنافس الفريقان في إعلان انتمائهما إلى صوتها ، في خريف 1966، سافرت فيروز إلى مصر برفقة الأخوين عاصي ومنصور رحباني ، ملبيةً دعوة رسمية من وزير الثقافة والإرشاد القومي أمين هويدي ، قبل وصول الثلاثي الفني اللبناني إلى القاهرة، رحّبت مجلّة “الكواكب” بهذه الزيارة، وزيّنت غلافها بصورة كبيرة لوجه فيروز مرفقة بعبارة: “أهلا بفيروز”. كتب رجاء النقاش يومذاك: “فيروز والأخوان رحباني يمثلون زهرة بديعة أصيلة من زهور الفن العربي المعاصر. زهرة خالدة، ثمرها دائم، وعطرها أصيل، وأوراقها ربيعية لا تعرف الإصفرار، ولا تعرف الذبول. وكم سعدت قلوب العرب في كل مكان بصوت فيروز وألحان الرحباني، فأهلا بفيروز في القاهرة، وأهلا بها في قلوبنا: عرش فيروز الدائم”. ، وفي عام 1955، دعت إذاعة “صوت العرب” فيروز والأخوين رحباني الى تسجيل مجموعة من الأعمال الغنائية في القاهرة، ولبّى الثلاثي الدعوة بعد زواج عاصي من تلميذته الخجول. لمصر، في زمن عبد الناصر، غنّت فيروز “أرضنا أنشودة الزمان/ سخية الغلال عميقة الإيمان”، “لضجة المصانع لحني وللقباب/ فيض دخان طالع يعانق السحاب”، ولم تذكر قط زعيم البلاد وقائدها. بحسب الرواية المتداولة، طلب مدير الإذاعة أحمد سعيد من الرحبانيين إنجاز عمل خاص بالقضية الفلسطينية، فكانت مغناة “راجعون”. سُجّل العمل في القاهرة بمشاركة كارم محمود الذي أدّى فيه وصلتين جميلتين، وأذيع للمرة الأولى في الرابع من تموز 1955، وأُعيد تسجيله في بيروت بعد عام أو عامين، مع بعض التعديلات في النص. أعجب ميشال أبو جودة بهذا العمل الفذ، وقال للأخوين رحباني: “أنتما مؤسسا العمل الفدائي”، كما روى منصور رحباني في كتاب الذكريات الذي حمل عنوان “طريق النحل”. هكذا جمعت فيروز منذ منتصف الخمسينات بين لبنان وسوريا وفلسطين، وأضحت صوت المشرق العربي الأول.

لم ينحني صوت فيروز لأحد ، فقد رفضت أن تبجل قائدا أو تغنى لزعيم ، ولم تبتسم لزعيم ، وترفعت عن الصغائر المذهبية ، بل غنت للحرية والحب والحلم والأمل والإنسان ، انحازت أغنيتها للأوطان والمدن والشعوب والثورات ، وفي المقدمة قضية الشعب الفلسطيني ن حتى صار لها من الشعبية مايجعلها قادرة على جمع اللبنانيين كلهم لحظة ترغب تحت رايتها النبيلة ، وبأنها الرمز الوحيد الذى بمقدوره أن يوحد، بدل أن يفرق فى وطن يغنى كل مواطن فيه على ليلاه .

فى عيد ميلادها الـ٨٢ كل عام وأنت وأنت بقلوبنا بهية ، كل يوم وانت سيدة الصباح والمساء ، صاحبة الصوت الملائكي ، كل عام وانت صوت الحب و دمعة الوجع ، كل عام وصوتك هو وطني ، شموع كثيرة تضاء لك اليوم في عيد ميلادك ، لكنها أقل من الشموع التي أضاءتها طيلة واثنان وثمانون عاماً للعشاق ، للحب ، للحرية ، وللوطن .. فيروز غني كثيراً لأن القبح يملأ الوطن ، شكراً لكل لحظة غنيتي فيها ، كل عام بنحبك اكتر».

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك