أنا خلعت الحجاب!!

286


منذ خمسة عشر عام ارتديتها، كنت فقط فى الثانية عشر ربيع من رحلة عمري التي يبدو أنها ستزداد شقاء كلما تعمقت فى الإبحار.

أنا لا أريد أن أقف على الشاطئ وأترك الزمن يذيب ألواح سفينتي وتسكنها الفئران، أريد أن استخدم سنوات عمري القصيرة كما أرجو أو الطويلة كما أخشى، وأبحر.

تلك هي المسألة فحسب، هؤلاء الذين يتركون سفينتهم على الشاطئ حتى تتلاشى، لا أريد أن أكون مثلهم، تلك هي المسألة.

لا أقول أنى على صواب، أو أن معي الحقيقة الكاملة، بل أنا على يقين أن كل ما أملك ثلاث قدرات فحسب، وأن مثلهم على الأقل الجميع يملك، بل إن بعضكم يملك ما هو أكثر.

أما أنا فأملك الحد الأدنى مما نملكه جميعاً، أملك القدرة على التفكير، والشك، والتغيير.

هؤلاء الثلاثة المخيفون المُهابين المرجون.. هؤلاء وحدهم أملك، وهؤلاء وحدهم أتيقن أنكم مثلي تملكون.

ربما فقط أنا قررت أن أُبحر ولا أخشى الغرق، ربما ما عدت أخشى الغرق.

ارتديت الحجاب فى سن صغيرة بحكم التقليد فحسب، كنا جميعاً قد ارتديناه، فتيات صغيرات في مدارس مكدسة، قطيع من الماعز نتشابه في التلقين والأفكار، لا قرار حقيقي لنا بدون علم وفه لأبعاد قرارتنا ومصدرها، إلا شرائط الكاسيت المنتشرة في ذاك الوقت عن الزي الإسلامي والحجاب، والتمثل بالكبيرات الناضجات، كانت تلك وحدها الدوافع لنرتدي جميعاً الحجاب!، هذا هو الواقع الحقيقة بلا محابة ولا تجميل وببساطة شديدة.

تخبطت طوال فترة مراهقتي بين أفكار اليسار واليمين، قلت على ابن لادن أسد الإسلام وترحمت عليه، واتخذت لينين مثال أعلى، تخبط مُحرج ربما للبعض، لكني رأيت فيه منفعة، لقد عشت الأفكار كلها المظلمة والدامية وصولا للأفكار التنويرية العادلة من القلب كما الخارج.

ففهمت وشعرت وقدرت كثيرا من المشاعر من كل جانب، عرفت منابع الأفكار ودوافع الأفراد حامليها، سواء الذين يؤيدون حمل السلاح في فرض أفكارهم من اليسار واليمين، أو من يضحون تماما بأنفسهم في سبيل إيمان حقيقي بسلمية تامة من كلا الطرفين كذلك، فرأيت المتشابهات من القلب والمختلفات من الظواهر، وتفهمت شيئاً عن الإنسان، وعن نفسي.

واليوم وبعد فترة طويلة ومرهقة من الصراع والبحث والتدبر اخترت بعض الثوابت عن يقين هادئ، بلا تعصب أو هوس.

اخترت طريق السلام والمحاولة بالكلمة والإيمان بالله وكلماته كلها، لا عن إرث، ولا عادة، ولا حاجه، بل عن يقين مريح هادئ.

ظواهر الأديان كلها أحترمها إنما المقدس هو قوالبها عندي، قوالب الأديان تتمثل فى نشر الإنسانية والسلام والمحبة والعدل، من قوة موسى ودهاء محمد ومحبة عيسى، بالثلاثة نصل لله، لا بواحد فقط منهم، ولا باثنين، بل بالثلاثة مكملين لا متعارضين ولا متحاربين ولا متنافرين.

هذا يقيني الخاص، لا دعوة، ولا تنابذ، ولا يسمو لمكانة الإعلان حتى، فهو محض شأن خاص، أشارككم به فقط من باب المحبة والاحترام لتساؤلاتكم المفهومة.

لقد قررت قرار خطأ عن ارتداء الحجاب وأنا صغيرة جدا، واتخذت قراري اليوم بناء على ما سبق وأنا أظن في شيء من العلم اليسير. 

أقول أنه ليس فرض إلهي، ولست أفتيكم أو أدعوكم لشيء إلا للبحث عن الحقيقة بأنفسكم، وما وصلت له من قراءات كثيرة ومتنوعة وتفكير وتدبر للعلة والمعلول والمنطق والأحكام الدينية كلها إنما هو أمر خاص بي وحدي وليس دعوة أو فتوة فلست بذات مكانة لها. 

لكني أيضاً لا أقول أنه ليس من الأديان، هو إحدى ظواهر الدين التي لا تناسبني الآن وحسب.

أظن في وجودية الله، وفى محبته وعدله وأظن كثيرا فى أن ما يهمه هو عدم إيذاء الآخر ونشر السلام والمحبة في الأرض، أظن أن الله قادر وقدرته وحكمته أعلى من قدراتنا وحكمتنا، وإن كنا صورته أو خليفته أو أبناءه فى الأرض، كلها مسميات لمعنى واحد، أن فينا شيء من قدرته وحكمته ومن هنا فقط أستمد ثقتي في البشر، رغم كل ما أرى من سُفه ومبالغات وتنابذ حقير.

أتمنى أن نتعلم يوما ما، أن روح الإنسان هي أغلى شيء على الأرض، وأن كل وأي دين غايته أن يحافظ على الإنسان ويرشده ويدله على مكانة الإنسان ليس أن يقتل روحه أو يعذبه أو يخلق حروب وتنازع وفرقة! 

الله محبة، أعينوني لأستمر في محبتكم بمحبتكم.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك