في دايرة الرحلة

322


في رحلتي داخل قطار الأنفاق ، بعد عودتي من العمل ، فوجئت باحتلال طلاب الجامعة عربات المترو ، فالدراسة في بدايتها والحضور اليومي فرصة للولوج إلى الحياة الجامعية التي داعبت أحلامهم خلال أعوام المدرسة .

مجموعات كبيرة من الطلاب يتجاوز عددهم أصابع اليدين ، كثير من المرح والصخب والكلام والتعليقات ، بعض التعديات البسيطة باليد ، تسريحات شعر مختلفة وموديلات ملفتة من الملابس .

ثم ضبطت نفسي متلبسا بالجرم التاريخي المتكرر ، لدقائق بسيطة شاركتهم الطريق ، شعرت بمزيج الغضب والتوتر والاشمئزاز .

خلال شهور الصيف ، اعتدنا الهدوء داخل عربات القطار ، ليس الهدوء ولكنه صمت ، لا يقطعه سوى صوت احتكاك العجلات بالقطبان ومكالمة تليفون هنا أو هناك ولحظات صعود ونزول الركاب بالمحطات ، ثم يعود الصمت.

ليس الصمت وحده هو ما كان يميز رحلتنا ولكن نظرات الركاب تجاه الفراغ ، من أصعب ما يمكن أن تواجهه بداخل القطار هو ايجاد مستقر لبصرك يستريح فيه فترة استقلالك القطار، المقاعد قد رصت في مواجهة بعضها ، أول ما تقع عينك عليه هو نظرات من يجلس مقابلك ، ثم تسقط عينيكما لتستقر فوق أرضية القطار أو حذاء أحد الركاب، في رحلتها للبحث عن مهبط أمن .

مع بداية الدراسة ظهر طلاب الجامعة بحيويتهم وفرحتهم بالعام الجامعي والأصدقاء الجدد، عندما كنا طلابا تعودنا نظرات الاستنكار من كهول المترو ، لم نكن نوليها اهتمام ، لم أتخيل يوما أن أصبح واحدا من كهول القطار.

أحيانا لم يتوقف الأمر عند نظرات الاستنكار ولكن مال أحد الكهول تجاه جاره بالقول المأثور "مش عارف ايه شباب اليومين دول ايه اللبس ده وايه اللي عاملينه في شعرهم ده وماشيين ازاي صبيان وبنات وبيهزروا مع بعض كده .. احنا مكناش كده أبدا" 

الحمد لله تداركت نفسي قبل أن أصل لهذا الحد

بمراجعة نفسي ،تذكرت شعوري في سنوات سابقة مع نفس الموقف الصاخب للشباب ، كانت ابتسامة هدوء مع أفكار مثل "خليهم يعيشولهم يومين ، على أخر السنة ال15 دول هيتفرقوا ، البنت دي هتصاحب الولد ده وهتغير عليه من صاحبتها دي وهتمنعه يكلمها والتانية هتعمل بالمثل ، وهيتفرقوا وبعدين يفركشوا ويصاحبوا ناس تانية ، وبعدين يخلصوا ويتربطوا جنبنا في ساقية الشغل "

 اذن هذا هو التسلسل ، الكهل الذي انتقد جلوسي على الأرض بالمترو منذ 15 عاما ، كان يهرب من محاضراته قديما الى حديقة الأورمان المجاورة للحرم الجامعي، والشاب الذي يربط شعره ب "توكة" أمامي الأن ، سيواجه بغضب رغبة ابنه في الحصول على تاتو.

هل يتخطى بنا العمر مراحل البهجة والحماس والأمل الى العدمية والاحباط والانهزامية ، ليصل بنا الى مراحل الغضب واليأس؟

خيبات الأمل المتتالية تركت خطوطا في ملامح الوجه لا تنمحي ، كما تركت ثقوبا سوداء تمتص منه رحيق الحياة والشغف .


نحب الأطفال ونبغض الشباب ونخشى العجز


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك