أين نحن الأن..عقلية القوة وحقوق الأقليات؟؟

416

مقدمة السلسلة:

        منذ فترة طويلة قلت عدد كتاباتي عن الوضع المصري الحالي لأنني شعرت أننا بلغنا نقطة تعجز فيه الكلمات عن التعبير عن الواقع.  شعرت أنني قلت كل ما يمكن أن يقال حتي أعكس رأيي تجاه الطريق الذي تسير فيه مصر. كلما كتبت فرغت مشاعر الغضب والجراح التي تمتلئ نفسي بها لكنني هذه المرة لا أكتب لهذا السبب. أنا أكتب لأن واجبي أن أكتب. أنا أكتب لأنقل نظرتي للواقع فربما يقتنع بها البعض، وربما يرفضونها ولكنها مسؤولية علي ،لن أتخلي عنها. وبما أنني أكتب بسبب مسؤوليتي فسأكتب بالطريقة التي لا أري أن سواي سيكتب بها. يستطيع الخبير الاقتصادي، والخبير العسكري، وخبير العلاقات الدولية  أن يكتبوا أراءهم في الوضع الاقتصادي، والعسكري، والسياسي الخارجي لمصر، وأن يقدموا رؤيتهم في مقال أخر هنا. ورغم أن لدي انطباعات عامة عميقة، وقائمة علي قراءات، ودراسات ذاتية استمرت لما يزيد عن عشرة أعوام عن الوضع الاقتصادي، والوضع السياسي الخارجي لمصر فأنا لن يكون تركيزي أن أتحدث عن انطباعاتي تلك. سأذكر هذه الأراء لكنها لن تكون جوهر تركيزي في سلسلة المقالات التي سأكتبها عن وضع مصر الحالي بل سيكون تركيزي علي ما أري أنه تخصصي، ولن يستطيع الكثيرون غيري القيام به. سيكون تركيزي علي تغير الأفكار، والمنظومات الفكرية داخل مصر الان إيجابًا، وسلبًا. 

           ما معني تغير الأفكار والمنظومات الفكرية؟   

          هناك تخصص جديد نسبيا داخل دراسة التاريخ والفلسفة يسمي "تاريخ الأفكار". تاريخ الأفكار يدرس تغير أفكار معينة نسبيا علي مر التاريخ في مجتمع معين. علي سبيل المثال؛ فكرة وضع المرأة في المجتمع، وما يكون لها من حقوق سياسية، واقتصادية، واجتماعية فكرة تغيرت داخل المجتمع المصري علي مدار العصور. ففي الدولة القديمة الفرعونية كانت المرأة ترث مثل الرجل، وكانت تحتفظ بحقوق واسعة اجتماعيا، وسياسيا واقتصاديا ثم خسرت المرأة هذه الحقوق في عصور الاضمحلال ثم عادت لتحتفظ بهذه الحقوق في الدولة الحديثة الفرعونية حيث كان لها حق تطليق زوجها، وعملت قائدة جيش، وكبيرة أطباء، وتولت أغلب المناصب في الدولة. تغير ذلك الوضع لوضع مشين في العصور اليونانية، الرومانية، والإسلامية، ولم تستعد المرأة شيئا من حقوقها إلا في العصر الحديث في مصر، ورغم ذلك لم يعد لها كل الحقوق التي تحققت لها في الدولة الفرعونية القديمة، والحديثة. مثال أخر هو تقلب أهمية التدين في مصر خلال العصور الحديثة، حيث شهدت الأربعينات وقتًا قل فيه التدين في مصر نسبيًا ثم تصاعد التدين خاصة في أعقاب هزيمة 1967،ثم سنوات العودة من الخليج خاصة الثمانينيات، والتسعينيات. الفيلسوف، ومؤرخ الأفكار يدرسان، ويحللان إتجاهات التغير في أفكار المجتمع، وأسباب هذا التغير.

            هذه السلسلة ستكون محاولة لفهم التغيرات الفكرية التي تحدث في مصر إيجابًا، وسلبًا من ناحية الدولة، والمجتمع. سأبدأ هذه السلسلة بالتحدث عن "عقلية القوة" التي تحكم مصر، وعسكرة مصر، وحقوق الأقليات في هذا المقال لكن في المقالات القادمة سأتناول قضايا أخري مثل الإتجاه الاقتصادي المصري ولكن منظور تحليل الأفكار التي تكمن خلفه، وإدانة أو الإثناء علي تلك الأفكار، وليس علي تطبيقها العملي، وحسب.

عقلية القوة، وحقوق الأقليات:

           منذ إخراج مرسي، والإخوان من السلطة بدأت أولي صفحات اضطهاد الأقليات بصورة منقطعة النظير في تاريخ مصر الحديث. وأول أقلية تم اضطهادها هي الإخوان حيث بدأ اضطهادهم في ليلة المذبحة الأعظم في تاريخ مصر الحديث حتي تم قتل 1400 شخص بينهم نساء، وأطفال، وإلقاء أجسادهم في القمامة، وحرقها داخل القمامة في ليلة رابعة الدموية المشينة. ولم ينظر أحد للإخوان كأقلية سياسية لأنهم مثلوا لكل الأطراف خطرًا، وخافتهم بغباء الأقليات الأخري مثل المسيحيين، واليسار، والليبراليين، والعلمانيين، والمثليين، والنساء (النساء لسن أقليات لكنهن فئة ضعيفة مظلومة اجتماعيًا). ولم تدافع عن الإخوان إلا أصوات قليلة ظنًا أن ما يحدث للإخوان لن يحدث مع سواهم ولكن سرعنما استقر الأمر للسلطة العسكرية، وبعد أن اعتقلت اّلاف الإخوان بتهم تبلغ من التفاهم حيازة دبوس رابعة بدأت الدولة في اعتقال كل ناشط سياسي ليبرالي أو يساري حتي صار عدد المعتقلين السياسيين بمصر عام 2017 يتراوح في تقديرات مختلفة بين 40000 معتقل، و60000 معتقل، وهو رقم يتخطي حتي الأرقام التي مرت في تاريخ مصر أثناء الاحتلال! وهو رقم بين الأرقام الأعلي عالميًا. 

         ثم بدأت الدولة في حملة موسعة للتخلص من الأقليات التي تمثل بالنسبة إليها تهديدًا، فقامت بحملات متواصلة للقبض علي الملحدين بتهمة ازدراء الأديان، وسجن العشرات بهذه التهمة، وقامت الدولة بحملة أمنية اضطهادية علي مختلفي الميول الجنسية، والجندرية، وألقت القبض علي ما يقارب ال300 منهم في ثلاثة أعوام. وبلغ جنون الدولة المصرية أن عينت مجموعة مخبرين أمنيين مهمتهم اصطياد المثليين من مواقع التعارف المثلية ثم تنظيف ميعاد لقاء بمكان مفتوح، واعتقالهم. وبعد الحادثة الشهيرة التي رفع فيها علم المثلية في حفل مشروع ليلي، أطلقت الدولة حملة مسعورة، واعتقلت في أسبوعين أكثر من سبعين شخصًا! وفردت الدولة عضلاتها، وصممت بالبرلمان مشروع قانون ضد حقوق المثليين يعاقب لأول مرة علي المثلية النسائية، والدفاع عن المثليين ولكن الدولة باعت أفكارها لتحصل علي القروض الدولية التي غرقنا فيها، واضطرت لتجميد القانون بسبب الضغط الدولي. أما بالنسبة للأقلية الفكرية التي ترفض الخضوع لأفكار المجتمع المحافظة، وتقدم منتجات أدبية ضد المفهوم العام للاّداب العامة، والأخلاق فقد تم اعتقالات بتهم خدش الحياء العام، وسجنها مثل الأديب ناجي. حتي الحيوانات تلاقي اليوم خطة ممنهجة من الدولة للقضاء عليها! فتوسعت حملات تسميم الكلاب، والقطط، وتعذيبها، وحلت علينا الدولة بفكرتها المجنونة في تصدير الكلاب، والقطط للدول التي تأكلها لتعذبها كما تشاء. 

       وداخل السجون بمصر استخدمت أبشع طرق الإذلال، والتعذيب ضد المساجين خاصة المثليين، وبعض المعتقلين السياسيين. ففي خلال أربعة أعوام مات أكثر من 300 شخص بسبب سوء الأحوال داخل السجن، ومنع دخول الأدوية لهم. وكل المثليين الذين تم اعتقالهم بما فيهم سارة حجازي (المرأة الوحيدة التي اعتقلت في تاريخ مصر في قضية مثلية) تعرضوا للاغتصاب من السجناء، وبأمر الضباط، والسجانين. ومنعت الزيارات عن المعتقلين السياسيين لأوقات طويلة، وبلغ عدد أحكام الإعدام في مصر خلال ستة أعوام 1900 حكم بالإعدام، وتم إعدام أكثر من 800 شخص. وتنفيذ عقوبات الإعدام إتخذ منحني سريع نسبيًا عن المعتاد في مصر. وكثير من الشهادات تشير لاستخدام أسوأ طرق التعذيب ضد المساجين ، ومنها الكهرباء، والضرب المبرح حتي لكبار السن. ومن أصعب الجرائم المرتكبة من النظام في مصر هي الاختفاء القسري حتي يبلغ عدد المختفين قسريًا خلال عام 2018 فقط أكثر من 300 شخص. والاختفاء القسري يمثل صورة من أبشع صور تعذيب الأسر العاجزة عن معرفة مصير أبنائها حتي وإن كان الموت. 

           الأقليتان الوحيدتان اللتان حظيتا ببعض التدليل في عصر السيسي هما متحدو الإعاقة، والمسيحيون لكن يصعب الحكم بأن هذا التدليل هو منح لحقوق. فالأمر لا يتخطي صورًا مبتسمة يحشر فيها المسؤولون بمختلف درجاتهم شخصًا من متحدي الإعاقة أو مسيحي في منصب أو تكريم رسمي لكن لم يتم توفير أي بنية تحية لمعاونة متحدي الإعاقة، ولا حتي في المشروعات الجديدة نسبيًا التي تقوم بها الدولة. ولم يتم تعيين أي مسيحي بوزارة من الوزارات السيادية بمصر، ولم يتم تمرير قوانين جدية ضد الطائفية، والتمييز بل هناك إصرار من الدولة علي حل جميع المشكلات الطائفية بطريقة عرفية، وبدون إعطاء المسيحيين لحقوقهم مهما تعرضوا للتنكيل، والاضطهاد. و السبب وراء الاهتمام بمتحدي الإعاقة هو استغلالهم لتجميل وجه الوحش الذي يسمي الدولة المصرية أمام العالم، وهي فكرة مسروقة من النموذج الذي تستميت مصر لنسخه بصورة مسخ "الإمارات" لكن علي الأقل الإمارات تقدم خدامات جدية لمتحدي الإعاقة، ولا تكتفي بإلتقاط الصور بجوارهم. أما بالنسبة للمسيحيين، فسبب محاولة النظام لإرضائهم بتغييرات شكلية لا ترسي بعمق قيم المواطنة هو الهاجس الجنوني لدي النظام من خشية استغلال الطائفية طريقة لإيقاع مصر بمستنقع الدولة المجاورة. وخشية النظام من عدم السيطرة علي العنف الذي قد يصدر، ويمثل قوة مواجهة للدولة. 

عقلية القوة:

           الفكرة العميقة التي تقبع وراء اضطهاد الأقليات في مصر هي عقلية القوة. القديس أوغسطنيوس الشهير قال أن العالم إما أن يحكم بقيم الرومان أو بقيم المسيحية. قيم الرومان كانت تقدس القوة، والانتصار في المعركة، والعسكرية، والقتل، وفرض السيطرة بينما كانت المسيحية إنقلابًا في المنظومة الفكرية العالمية، وإعلاء لقيم معاكسة تمامًا للرومان حيث مثلت المسيحية أولوية الضعف الإنساني، والمحبة، والتسامح، ونبذ العنف، وصار فيها المتجرد الضعيف الراهب هو النموذج الأعلي، وليس القائد العسكري.  نيتشه لديه تحليل مماثل لأوغسطنيوس في كتابه "غسق القيم" لكنه ينسب البادرة في هذا الإنقلاب الفكري لسقراط الذي مات قبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون. وبينما يري أوغسطنيوس أفضلية القيم المسيحية يري نيتشه أن أفكار سقراط خاطئة، وأن الأفضلية للقوة. ما يحكم مصر الاّن هو عقلية القوة، وهي عقلية تضع العسكر كأفضل فصيل في المجتمع لأنه الفصيل الأكثر قوة، وسيطرة، وإجبارًا لسواه. وهي عقلية تعتبر العنف، والإجبار هما الوسيلة الوحيدة لتقويم المجتمع. فمن يتبني مفهوم القوة لن يحاول تغيير أفكار المجتمع بالنقاش، والحوار المتبادل، ونشر ثقافة معينة بل سيكون أسلوبه دائمًا هو فرض قوانين متشددة، وعنيفة، وتنفيذها بأقصي درجات الحزم. عقلية القوة ترفض الحلول بعيدة المدي بل تريد دائمًا رؤية خصومها الفكريين راكعين أرضًا بأقصي سرعة ممكنة. عقلية القوة لا مكان فيها للحب أو العطاء أو الطبطبة علي الضعيف. عقلية القوة ترفض الضعيف، وتحاول القضاء عليه بل تحاول القضاء علي أي فكرة ناعمة تدافع عن الضعيف، وتراها تهديدًا لأمن المجتمع. عقلية القوة تؤثر دائمًا الحلول الأمنية، وترفض الحلول الاجتماعية أو السياسية لأنها تراها طريق الضعفاء، ومن لا يملكون قوة الفرض علي الأضعف.

           عندما تشددت القوات المسلحة في فرض التجنيد الإجباري لم يكن السبب هو الإدعاء الترويجي لفكرة الوطنية، والانتماء فهذه مجرد حجة خارجية أما السبب الحقيقي فهو إصرار الدولة علي فرض عقلية القوة، والسيطرة داخل عقول الجيل الجديد. الفكر العسكري يعلم الأفراد عدم التمرد، عدم الإبداع، معاداة العشوائية، فرض النظام، احترام الأقوي، الخوف، الخضوع، ويفقدهم أي إيمان بأن أي شيء يعلو صوت القوة بل يعلمهم أن أمر الأقوي فوق مبادئهم، وإيمانهم، ومحبتهم. واضطهاد الأقليات هو تجسد عقلية القوة. فالأقلية هي الطرف الضعيف الذي يجب أن يخضع للأقوي، وقانون الأقوي. الإسلام دين الأغلبية لذلك يجب التنكيل بكل ما يخالف هذا الدين، ويستهزأ به مثل الملحدين. وهذا يفسر لماذا تصر الدولة علي التقرب من الصين رغم الجرائم المرتكبة بحق الأقلية المسلمة هناك. فطبقًا لعقلية القوة، المسلمون أقلية ضعيفة، ولذلك يحق للدولة الصينية اضطهادهم. أما بالنسبة للمثليين، فهم أكبر تهديد لعقلية القوة في الفكر العربي لأن المثلي يرتبط بفكرة من يخضع في العلاقة الجنسية، وهي تناقض فكرة القوة التي يجب أن يتحلي بها الرجل لدي المجتمع العربي كقامع للمرأة المستقبلة للإيلاج. 

              وعقلية القوة هي السبب وراء التوسع في إصدار، وتنفيذ عقوبة الإعدام، وفي صياغة قوانين عنيفة تعاقب بقسوة علي مخالفة أحكام الدولة. كذلك فهذه العقلية هي التي تقبع خلف رفع أسعار السلع، والخدمات لأجل فرض تقليل الاستهلاك علي المواطنيين حتي تحت ضغط الحر الشديد، والصيام. المواطنون يعاملون كمجندين يفرض عليهم بالقوة أوامر الحاكم العسكري. 


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك