قلب يأبى الاِنكسار (قصة قصيرة)

425
لا أعلم كيف تكون البدايات؟ كما أخشى من مغبة الأنزلاق في خانات المبالغة؛ فيتم تعويق كلماتي من التسلل لينبوع قلبك، ولا أخفى عليك، أنني في وقت من الأوقات كنت مثلك؛ أؤمن بأن ضمير كل إنسان يهوى في براثن مثالب طبيعته البشرية في فترة من فترات حياته فيصير أداة طيعة في يدها، ولا أخفى عليك أيضاً، أني كنت أتظاهر بالأهتمام في كل مرة يحدثني فيها أصدقائي في الجامعة، ويطالبوني بإيصال السلام إليه، ولكن ما جعلني أكترث نوعاً ما بما يقال، عندما قال لي أحد الأصدقاء - بعد قبولي في المدينة الجامعية لهذا العام - إذا أردت أن تفصح عن سر يؤرقك لأحد عليك وعلى عم مخلص – محصل التذاكر في الأتوبيس الذي يقلكم من المدينة إلى الجامعة – إنه شخص كتوم للسر، كما أنه على مستوى رفيع من الثقافة والتدين، يستطيع أن يسدي إليك النصائح، ويتمتع بحالة من الرضا نادراً ما تجد أحد يتمتع بها في زمننا هذا. ما قيل لي من أصدقائي جعلني أبحث عن هذا الرجل صاحب هذه السمات المثالية ، فعيني دون أن تهمد كانت تصول وتجول بنظراتها، للتفتيش عن عم مخلص في محيط المدينة الجامعية لا سيما في وسيلة المواصلات التي يعمل بها محصل تذاكر للركاب، التي تقلنا من المدينة الجامعية إلى الجامعة، وأتصورأني من الممكن أكون رأيته مسبقاً، ولكن لم تعرقلني الصدفة لمصافحته، وهذا أمراً طبيعياً، أليس أنا من ضمن آخر دفعة من الطلاب المستجدين في هذا العام، الذين قبلوا في المدينة الجامعية بعد إجراءات مضنية في أواخر الفصل الدراسي الأول، ولكن مهلاً مهلاً، أعم مخلص هو الذي يردد صباح كل يوم عباراته - وهو يجوب الطرقات في أدوار المدينة من الأدوار السفلية إلى الأدوار العلوية وهو يقرع أبواب الغرف - التي حفظها جميع الطلاب عن ظهر قلب (يا شباب إلي عنده محاضرة، يا شباب الساعة سابعة، يا شباب إلي عنده أمتحان) ثم يردد أسماء طلاب بأعينهم لأن نومهم ثقيلاً نوعاً ما ثم يهرول من الأدوار العلوية إلى السفلية إلى الباحة المشجرة أمام مباني المدينة التي يقيم فيه الطلاب، فتهرع الكلاب المتواجدة في هذه الباحة إليه، لأنه يحمل في في يده إليها بوتقة مليئة بالطعام، فعرفت مواصفات ورائحة الشخص الذي يحنو عليها بصورة مستمرة، وصارت تقتفي أثاره من على بوابة المدينة. نعم هو عم مخلص، صاحب الوجه المتغضن والمنمق بعينين مفعمتين بالأمل، الذي حال ضيق الوقت بيني وبين إمكانية التعرف عليه عن كثب في أواخر الفصل الدراسي الأول، وأستعضت عن هذا بفصل دراسي كامل قضيته معه، وتعرفت عليه بصورة أكبر، كنت أظن أن المبادرة ستأتي من عندي، لم أتخيل أحتمالية قدومه إلي في إحدى المرات وهو لا يعرف عني سوى أني طالب مقيم في المدينة الجامعية ويداعبني وأن أغط في نوبة سرحان، ثم يقول لي ما بك يا ولدي هل هناك ثمة هموم تلاحقك؟، فيكون الرد من عند صديقي يوسف: لا لا يا عم مخلص لا يوجد ثمة هموم تلاحق ياسين، ثم يستطرد كلامه ضاحكاً: كل ما في الأمر أنه يحب الفلسفة والتفلسف، فأنظر إلى يوسف بعتاب وأسحب دفة الرد منه: لا يا عم مخلص، حضرتك كنت سرحان في أمور شغلت بالي مؤخراً ، فيقاطعني وهو ينظر إلي نظرة لوم: يا ياسين لا تسلم ذهنك لنوبة من نوبات السرحان إلا لأمرين؛ الأمر الأول: هوعلاقتك بينك وبين ربك، والأمر الثاني: مستقبلك المهني وطموحاتك الشخصية، وإياك وأن تسلم نفسك لليأس. كانت هذه النصيحة بداية معرفتي بعم مخلص، الذي فاجئني بردة فعله فورعلمه أني من هواة القراءة، فتارة يوصيني بشراء مجلات معينة غنية بالمعلومات والأدب الذي أتوق إليه، وتارة أخرى يعرفني على تاجر كتب يبيعها بثمن يتناسب مع وضعيتي المادية كطالب، وكان دائماً يمتص انفعالي بإبتسامته عندما استشيط حماسة في كل سجال يدور بيني وبينه أو بيني وبين أحد الزملاء، كما أني لن أنسى ما فعله معي عندما مد إلي يده وربت على كتفي والهموم تنوء كاهلي، عندما أتيت إليه مستغيث من حالة لا مبالاة أصابتني في لحظة من اللحظات؛ لشعوري بعدم مقدرتي على إضافة الجديد، أتذكر رده؛ عندما قال لي: أنت يا ولدي لم تخلق عبثاً في هذه الحياة، وبالتأكيد خلقت لتأدية دور معين أبحث عن هذا الدور، وأفعل ما يتسق مع ضميرك، وأتذكر أيضاً مزاحه مع زملاء المدينة، وجملته الشهيرة التي كان يرددها عندما يقسم على سبيل المزاح: وعليا الطماطم.... وهكذا. ما هذا الهراء المتلفع بالإسهاب.؟!، أنا محقق يا طالب ولست أخصائي إجتماعي أو نفسي أو رجل دين أو خبير تنمية بشرية، وعندما أسألك سؤال لابد من تنقيح كلماتك والإجابة علي بصورة موجزة ومباشرة، نحن هنا لسنا في ساحة محكمة، وأنت لست محامي المظلومين، سأكرر إليك السؤال مرة أخرى وأخيرة: ما صلتك بالمدعي عليه مخلص، وهل من الممكن يقترف مثل هذا الأثم أم لا؟ يا فندم حضرتك أنا بروي شهادتي كاملة، وأظن حضرتك من الممكن تستنبط صلتي من كلماتي الي بيسطرها الكاتب، أم عن الفعل المتهم به فأنا أعتقد أن شخص بهذه الأخلاقيات النبيلة لا يمكن أن يقترف مثل هذا الأثم، وهناك ملاحظة أنا لا أعلم إذا كان عم مخلص كان متواجد آنذاك أم لا؟ يا عسكري دخل المدعي عليه مخلص ومينا و المدعي إسلام صاحب اللاب توب المسروق، هكذا قال المحقق بعد نفاذ صبره مني، ثم أستطرد كلامه، ها يا عم مخلص مش ناوي تقول اللاب توب فين؟ رد عم مخلص وهو مطرق الرأس: أقسم بالله العلي العظيم أنا لا أعرف شئ، وأنا بمر على الغرف لأجل إيقاظ الطلاب من النوم منذ سنوات، وأول مرة أوضع في مثل هذا الموقف؟ بماذا تتذرع يا إسلام؟ هكذا سأل المحقق زميل المدينة الطالب في كلية الطب، فرد إسلام بأقتضاب: لم يمر شخص على غرفتي سوى عم مخلص، هو الذي أيقظني. هنا قاطعه عم مخلص بنظرة فيها توسل ممتزجة بالأعتزاز بالنفس، أنسيت يا ولدي أني قولت لك أمام جارك في الغرفة التي تجاورغرفتك يا إسلام أحذر اللاب توب على المنضدة الخشبية الدائرية والباب مفتوح، أحترس؛ لأن عاقبة عدم الأحتراس وخيمة. هنا تدخل مينا، نعم أنا أشهد أن كلام عم مخلص صحيح أنا كنت شاهد عيان، واسترسل عم مخلص دوره الذي يقوم به بصوره يوميه في إيقاظنا، وبعد ذلك ذهبت أنا إلى دورة المياة. حدث هذا الحوار بين عم مخلص ومينا وإسلام تحت أنظاري وأنظار المحقق الشاخصة والمترقبة ردات فعل المتهم والمدعي وشاهد العيان. لاذ الجميع بالصمت الذي لم يقطعه سوى سؤال المحقق، هل هناك أقوال أخرى؟ صمت الجميع، فاستشفى المحقق من الصمت ، عدم وجود أقوال أخرى، فقال لإسلام: لا يوجد أي دليل لإدانة عم مخلص، ونظر لعم مخلص بنظرة متأسفه، وقال بعتذر لك يا عم مخلص، هنخلص الإجراءات وتقدرتروح. ظهرت براءة عم مخلص بعد قضائه في القسم يومين متتاليين، وخرج مع العسكري وهو مطرق الرأس، وفاق من صدمته على صوت إسلام وهو يناديه: ويقول له حقك عليا يا عم مخلص، أنت تعلم جيداً ظروفي المادية، وتعلم جيداً عدم إستطاعتي لأقتناء لاب توب آخر، فرد عليه عم مخلص بنظر عاتبة تحاول الصفح، لاعليك يا ولدي، سأدعوا الله أن يسامحك على أتهامك الباطل، ولكني لا أملك صكوك الغفران حتى أسامحك. أمتقع وجه إسلام بعد سماعه لهذه العبارة، ولكن سرعان ما أبتسم إبتسامة يواري ورائها مشاعر متضاربة ما بين خجله من نفسه وأسفه لعم مخلص وأمتنانه له، بعدما ناداه عم مخلص مرة أخرى: أنا مسامحك يا إسلام، ثم أردف حديثه وابتسامه مرتسمه على شفتيه بمثابة ضمادة تضغط على جروحه المتقيحة حتى لا يسيل القيح منها وعليا الطماطم مسامحك ، ربنا يسامحك ويسامحني ويسامحنا جميعاً. كعادة عم مخلص؛ ساعد إسلام على التنصل من الشعور بالذنب ومن الإفتراء الذي أقترفه إزائه على أنقاض مشاعره التي دغدغت بعد هذه الحادثة. ولكن ما دغدغ قلوبنا جميعاً؛ أختفاء عم مخلص بعد الحادثة، الذى سال على أثر أختفائه سيل من التكهنات التي كانت تدورفي المدينة كالمكوك لا سيما بعد ما حدث بينه وبين مدير المدينة الذي وجه له عبارات مقذعة من قبيل الآتي: أنت حدودك في الساحة الي قدام المباني مع الكلاب إلي أنت بتأكلهم إياك تتخطاها، ونحن واقفوان واجمون مكتفون الأيدي، ما الذي حدث لعم مخلص هل سلم نفسه وقلبه للاِنكسار؟ هل عم مخلص عنده نوع من الإزدواجية أم أنه فاض به الكيل؟ هل هو يشعر بالأسى ناحيتنا لأننا كنا رعاديد؟ لا لا نظن أن عم مخلص من الممكن أن يقسو علينا. لم نتحصل على الإجابة الا بعدها بأسبوعين، بعد أن كدنا أن نسلم أنفسنا للقنوط من الحصول على إجابة، كانت الإجابة بصورة ضمنية متمثلة في المشهد الذي كان بطله عم مخلص الواقف في الباحة المشجرة بأشجار الزينة أمام المباني ينادي بصوته الجهوري، وهويمسك بالبوتقة المليئة بالطعام للكلاب التي ذوت لغيابه، يا شباب يا شباب الي عنده محاضرة، الساعة سابعة، والي عنده امتحان، يا شباب أنا تصدقت بعرضي على كل من تطاول علي، يا شباب إياكوا أن تنكسروا لغير لله. في مشهد رائع؛ هرول على أثره الطلاب إلى الساحة المزدانة بالمساحات الخضراء – خجلين ومتأسفين وممتنين - التي يقف فيها عم مخلص والأبتسامه تزخرف وجهه الذي صار خالي من أثار الشحوب والتجاعيد فبات وجه شبابي يكاد لا يميز عمر صاحبه عن عمر الشباب الذين يحملون صاحبه ويطوفون به في الساحة في مشهد تتصدره حفاوة الطلاب بعم مخلص وتعلوه الضحكات على وجوه الجميع. وقبل أن يصل المشهد إلي نهايته أستيقظت على صوت جهوري ليس غريب على أذني يقول: البقاء لله يا شباب، عم مخلص في ذمة الله.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك