شغلانة حلوة ..سمعتها وحشة

674


فاجأني منشور على صفحة صديقة لي على موقع الفيس بوك ، تخبرنا فيه بأنها لن تتزوج بعد أسابيع كما كنا ننتظر وانها فسخت خطبتها ، اتصلت بها لأعرف سبب المشكلة ربما نستطيع مساعدتها ، لم يكن الأمر ماديا كما كنا نتوقع ، أو خلافات بينها وبين خطيبها قد تحل بهدوء بعد زوال الغضب .. بل كان السبب ان أهل زوجها اكتشفوا طبيعة عملها كممرضة ، فقرروا عدم اتمام الزواج ! فكانت الوظيفة التي عاشت من قوتها حياة كريمة و استطاعت بها الانفاق على اخوتها والمساعده في تعليمهم واستطاعت منها  بعد سنين من العناء أن تجهز متطلبات زواجها كانت أيضا هي السبب في تحطيم نفسيتها وحلمها بالزواج من شاب تحبه. كثيرة هي تلك القصص الواقعية التي يتم وصم الفتاة فيها  بسبب أعمال ووظائف تشغلها ، ولكن الغير منطقي هو اننا بدأنا عصر انفتاح للمرأة في مجالات العمل المختلفه ومازال الناس والمجتمع يتوارثون الوصم بلا أي تفكير او تمييز ، بل ويتعاملون مع شاغلات هذه الوظائف بتعال ظاهر ، غاضين النظر تماما عن احتياج المجتمع الشديد أن تشغل النساء على وجه الخصوص تلك الوظائف . والتمريض هو احد تلك الوظائف. أذكر قديما في افلام الابيض والأسود ، كانت الممرضة تظهر على الشاشات في شكل ( ملاك الرحمة ) التي يتقافز حولها الأطفال حبا وتلحقها دعوات الكبار جيئة وذهابا، جميلة لطيفة ودودة تمشي متبخترة فخورة متباهية بمهنتها التي تساعد بها مئات المرضى يوميا ، فالتمريض يحتاج الى مقدار وفير من الأعصاب القوية و مقدار وفير من الحنان والمشاعر والاحساس بالأخرين  مع التركيز الشديد والابتسامه الدائمة ، لذلك تتفوق المرأة دائما على الرجل في هذا المجال بلا منازع اذ لا يستطيع أحد الا المرأة أن يقوم بكل تلك المهام في وقت واحد طوال ساعات العمل ، ولو نظرنا في أي مستشفى أو عيادة نجد ان عدد طاقم التمريض أكثر بكثير من عدد الأطباء الموجودين ذلك لأن الطبيب يستحيل علية القيام بعمله بدون ممرضة مساعدة ، فهي المسؤلة الوحيدة عن المريض قبل وأثناء وبعد انتهاء عمل الطبيب .

 مع الأسف تسببت الموروثات المجتمعية والسلطة الأخلاقية التي يفرضها المجتمع دائما على المرأة في تشوية سمعة تلك المهنه العظيمة ، فالفتاة التي لاتملك الحياء ليتكشف أمامها أجساد الرجال ، والتي قد تضطرها طبيعة عملها للعودة في مواعيد متأخرة وأحيانا المبيت في المستشفى لا ينظر الى انها تحافظ على حياة المرضى وتعنى برعايتهم وتخفيف ألمهم ، انما ينظر لها أنها سيئة السمعة فقط وبلا أدنى تفكير . ولا تختلف مهنة الكوافيرة عن مهنة التمريض في الأهمية وتتوافق معها في كادر ( الوظائف سيئة السمعة ) فعلى الرغم من انها صنعة أساسية للنساء وتحظى بأهمية قصوى لدى جميع السيدات اللاتي  بطبيعتهم يعنون بأنوثتهن والحفاظ على جمالهن  ، فيصففون شعرهم اسبوعيا ( ويوميا في بعض الشرائح المجتمعية ) ويعتنون بأظافرهم ووجههم وكامل جسدهم ، ( مما يجعل هذه الوظيفة أيضا من الوظائف التي لايستطيع الرجل ان ينازع المرأة على عرشها) الا ان المجتمع يوصم عاملاتها بالانحلال الأخلاقي والعهر في بعض الأحيان ، ولا أجد سببا لذلك الا ان مجتمعنا الشرقي يستنكر على الفتيات الاهتمام بجمالهم وشكلهن ونظافة أجسادهن في المطلق الا اذا كانت متزوجة ، ومن هنا يأتي تبريرهم بأن من تساعدهن على الأنحلال فهي منحلة بالتبعية ، وتعد مخاطر مهنة الكوافيرة من أكثر المهن التي تتعرض فيها العاملات للعديد من المضايقات وأنواع التحرش والعنف النفسي والجسدي بدءأ من نميمة الجيران ومحال الشارع والباعة المجاورين وحتى صاحب المكان والمترددات على المكان أيضا .

لن أنسى أيضا أحد أشهر المهن المطلوبة في سوق العمل دائما وفي جميع المجالات والشركات ، السكرتيرة أو مساعدة المدير ، فالسكرتيرة  التي تجدول الأعمال والمهام وتعنى بكل صغيرة وكبيرة  ، واجهة الشركة وحافظة أسرارها ..هي التي دائما تطلق عليها اشاعات الشركة ، بالتأكيد هي على علاقة بالمدير ، بالتأكيد ستتزوجه عرفيا ، بالتأكيد يطلب منها أمور خادشة للحياء ، بالتأكيد يتحرش بها وهي راضية ، بالتأكيد تنقل له كل أحاديث الموظفين ضده ، أذكر ان صديقة لي  كانت تجلس بجانب رجل عجوز في المترو وكعادة كبار السن يحبون تبادل أطراف الحديث في المواصلات حتى يصلوا الى وجهتهم ، وعندما سألها عن عملها أخبرته بأنها تعمل سكرتيرة في شركة عقارات مشهورة ، فكان رده عليها ( ربنا يتوب عليكي من الشغل البطال ! ). ليس المجتمع وموروثاته هو المسؤول الوحيد عن مثل هذا التشوه الفكري ، بل ان قطاع الفن والأعمال الدرامية لها دور رئيسي في ترسيخ تشويه هذه الوظائف في عقول المجتمع ، فلا تجد عملا تلفزيونيا يظهر السكرتيرة او الكوافيرة او العاملات بالفنادق والعيادات بمظهر لائق بل دائما مايظهرون النماذج السيئة الشاغلة لتلك الوظائف مما ساعد الناس ان ينظروا اليها بعين التقليل والدونية وان يحتقروا العاملات بها . لو وقفنا وقفة صريحة ونظرنا بعين الحق ، نجد اننا بحاجه ماسة لاعادة تغير فكر المجتمع ككل عن هذه الوظائف وشبيهاتها ، سنجدها مهن لاتقل  اهمية عن مهن كليات القمه ، بقدر وفير من الجهد والتعب المبذول منذ دراستهم وتدريبهم وحصولهم على شهادات علمية وعالمية احيانا ، و قدر كبير من الصبر وقوة التحمل والانضباط ومواكبة الموضة والفن والتعلم المستمر لمتابعة الأحدث . للحظة واحدة تخيل لو لم يعد هناك مهنة التمريض او الكوافيرة او السكرتارية ..فما رأيك ؟

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك