أمومة دي ولا انقلاب

661

صغير في حجم الدجاجة كما كانت تمازحني أمي أحمله وأتأمله دون أي رد فعل مني، لم تخطر في بالي الأغنية الأشهر في مثل تلك المواقف للفنانة شادية "سيد الحبايب يا ضنايا أنت" ولم أبك من فرط التأثر، فقط أشعر بالمسؤولية تجاه ذلك الملاك الذي خرج من رحمي أخيرا بعد طول انتظار وكأني أحمل بين ذراعي أطنان وليست صغير بحجم الدجاجة، أين تلك الدراما التي تخيلتها طيلة أشهر الحمل؟ حقا استقبال جاف لا يتماشى مع جلالة ورهبة الموقف.. هل أنا أم سيئة جال في خاطري ذلك الشعور ولكن توقف عقلي عن استقبال تلك الكلمة "أم".


في الثلاثة أشهر الأولى كانت رحلتي مع الرضاعة الطبيعية، قرأت الكثير والكثير عن أهميتها وكيفية إتمام العملية بنجاح ولكن دون جدوى، فعندما بدأ صغيري يبحث بفمه عن طعام لم يعرف مذاقه بعد ولكن يعرف رائحة الأمان فيه، وصل لهدفه أخيرا بعد محاولات منا لاستيعاب الأمر استكان الصغير وبكيت من شدة الألم وزادت قبضتي في ذلك اللقاء الأول، الأيام تمر بثقل بينما أتأرجح من طبيب لأخر ومن وصفة لتركيبة الألم يزداد وجعلني أتناسى حتى جرح الولادة القيصرية وأكاد لا أشعر به من شدة الوجع، لم أفكر لحظة في أن أتخلى عن الصلة العجيبة التي ربطتني بصغيري الذي لم أكن مستوعبة وجوده بعد.


محاولات مضنية لكي أبقى على تلك الصلة التي تشبثت بها، رائحته أنفاسه الهادئة بعد نوبة صراخ عيناه المستسلمتان للنعاس كانوا بمثابة المسكن، حقا ممتنه لتلك الآلام التي جعلتني أشعر بالوصال والدفء، ممتنة للمثابرة والتجربة التي خلقت بداخلي شعور آخر غير المسؤلية التي تحدثت عنها، حب لم أفتش عنه بداخلي بل تسلل لقلبي تدريجيا وببطء لم أعرف كيف ومتى، ليست عند معرفتي بوجود نطفته في أحشائى ولا عند الركلة الأولي ولا عند اقتنائى لملابسه الصغيره ولا حتى من أول لمسة.


أعترف أني لم أكن مستعدة لاستقبال صغير يتحكم في حياتي استكمالى للدراسات العليا عملى وهواياتي ونومي، حتى في نسمات الهواء الباردة التي كنت أترك النافذة لأستمتع بها، ربكة غير معهودة في شتى التفاصيل كبيرها وصغيرها، بددت ملامح الحياة والنظرة للمستقبل والخطط والأحلام، كان ذلك بمثابة الانقلاب الذي عصف بتفكيري قبل روتين حياتي جعلني شخص آخر ضعيف وهش كثير الخوف، هل أنا المسؤولة عن ذلك الصغير؟ عن صحته النفسية عن سلامته نظرته للحياة، أنا من يضع النبته الأولي بداخله؟ .


لحظات الضعف والانكسار والخوف التي عشتها أيقتت أنها كانت بمثابة نقطة النور التي قادتني نحو اتخاذ القرار بعدم التخاذل في مجابهة تلك التفاصيل الصعبة التي لم تقتصر على الارهاق وقلة النوم وما ذكرته سابقا بل امتدت لتفاصيل أكبر وأعقد كلما تقدم صغيري في العمر وبدأ يكتشف العالم بعيوني وجعلني أرى العالم في عيونه، حقا ممتنه للألم والضعف والخوف ولفترة اكتئاب أحاول التخلص من آثارها.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك