بصة سريعة على تجربة أيرلندا الشمالية

323

كذا مبادرة خرجت في الفترة الأخيرة، وزي كل مبادرة بتخرج للعدالة الانتقالية أو المصالحة، بتاخدلها يومينها من النقاش أو التريقة أو الهجوم، وتختفي كأنها لم تكن!


معظم المبادرات بيبقى ناقص فيها جزء مهم، أو عدة أجزاء، بينسف إمكانية تنفيذها من الأساس: "كيف".. إزاي يحصل الكلام ده، وجزئية "لماذا".. ليه؟ ومين هايسمحلك أصلا؟ وإيه قوتك علشان تعرف تدفع في الاتجاه ده؟ 


وأي مبادرة بيتم طرحها بيكون ليها ردود شبه محفوظة من طرفي الصراع، طرف شايف إن أصلا مفيش أزمة ومافيش حاجة لأي تهدئة من الأساس، وكل حاجة زي الفل، وهانبقى دولة عظمى قريب، وإن الفاشية هي الحل، وكمان أي كلام عن تهدئة أو عدالة انتقالية، هو خيانة ويجب معاقبة صاحبها أشد العقوبة، والطرف التاني لسا عايش في الغيبوبة، الردود كالعادة غير منطقية ومغيبة عن الواقع، تقريبًا مش حاسين بالـ٥ سنين اللي عدوا، ورافضين الاعتراف بأي كوارث ارتكبوها  أدت لما حدث ولما نحن فيه الآن، مش قادرين يصدقوا إن لا مرسي راجع ولا الانقلاب يترنح.


مش حابب أدخل في تفاصيل كتير، وطبيعي إن يكون فيه آراء وتقديرات وتقييمات مختلفة ومتنوعة، لكن حابب أتكلم عن إحدى تجارب العدالة الانتقالية اللي حصلت في السنين اللي فاتت، مع التذكير إن مصطلح العدالة الانتقالية، رغم كم الهجوم اللي بيحصل عليه في الإعلام الموالي، إلا إنه مصطلح كان موجود في خارطة الطريق، وكمان كان له وزارة في حكومة الببلاوي، وكمان (عالورق) كان هناك أهداف للوزارة وخطة عمل لإعادة السلام المجتمعي، وكذلك جدول زمني، قبل أن يتم تعطيل مهام الوزارة ثم تعديل اسمها ثم تغيير اسمها ومهامها بالكامل، إلى أن أصبحت كلمة العدالة الانتقالية هي كلمة سيئة السمعة في  مصر، للأسف!


بصة سريعة على تجربة المصالحة في أيرلندا الشمالية :


تجربة المصالحة في أيرلندا الشمالية، بدأت مع معاهدة الجمعة العظيمة (10 أبريل 1998)، اللي قرت نظام لاقتسام السلطة بين فريقين ظلوا متقاتلين لسنوات طويلة، فريق أنصار استقلال أيرلندا الشمالية وانضمامها لجمهورية أيرلندا من جانب ضد أنصار الوحدة مع بريطانيا، والبقاء تحت التاج البريطاني في الجانب الآخر، الحرب الأهلية والعنف السياسي والطائفي استمر في أيرلندا الشمالية أكثر من 30 سنة قبل إقرار المعاهدة، مات في الحرب دي أكثر من 3500 قتيل، بالإضافة لعدد مهول من الجرحى، كان فيه مليشيات الجيش الجمهوري الأيرلندي اللي مقتنعة إن العنف هو الحل من أجل استقلال أيرلندا الشمالية عن بريطانيا وضمها لجمهورية أيرلندا، وكان فيه عمليات اغتيال للقادة السياسيين الأيرلنديين المواليين لبريطانيا، وعمليات اغتيال وتفجير لقوات الشرطة الأيرلندية الموالية لبريطانيا، بالإضافة للتفجيرات اللي كانت بتتم داخل لندن نفسها كوسيلة ضغط أو (إرهاب) للحكومة البريطانية، في حين كانت القوات البريطانية وقوات البوليس الأيرلندي الموالي بيتعاملوا بمنتهى الوحشية مع أنصار الجيش الجمهوري الأيرلندي أو المتعاطفين معهم أو أنصار الاستقلال بشكل عام، وبرضو كان الشعار وقتها في بريطانيا هو لا تفاوض مع الإرهابيين وأنه يجب التعامل بيد من حديد معهم.


معاهدة الجمعة العظيمة وقفت العنف وحمام الدم، بعدما أقرت امتيازات جديدة لأيرلندا الشمالية، وأعطت استقلالية أكبر لأيرلندا الشمالية، وبقى فيه برلمان مستقل لأيرلندا الشمالية، وتقاسم للسلطة بين الكاثوليك والبروتستانت، ومنع احتكار السلطة للموالين لبريطانيا مقابل وقف النزعة الانفصالية عن بريطانيا، وإمكانية استخدام اللغة الأيرلندية، وأصبح بعدها الحوار واللجوء للاستفتاءات هو الأساس وليس استخدام العنف من جانب الجيش الجمهوري الأيرلندي أو استخدام القمع من جانب القوات البريطانية والقوات الأيرلندية الموالية، الحكومة البريطانية تحاورت مع اللي كانت بتعتبرهم إرهابيين من وجهة نظرها، والجيش الجمهوري تحاور مع الحكومة المجرمة من وجهة نظرهم.


طبعًا لا يزال هناك مناوشات ومشاكل تثار كل فترة، فقبل الـ٣٠ سنة من العنف المتبادل اللي بدأ في نهاية الستينيات، كان فيه حرب أهلية دموية بين رفاق النضال الأيرلنديين نفسهم في بداية القرن العشرين لما اختلفوا مع بعض، الموضوع أصلا كان معقد وله جذور من قرون طويلة، وفيه لغاية دلوقتي تعقيدات كتير، الموضوع كان في الأصل صراع ديني طائفي عنيف جدا، اختلط بالصراع السياسي بين إنجلترا وأيرلندا وكذلك الرغبة الاستعمارية لبريطانيا العظمى في الهيمنة على جزيرة أيرلندا.


البداية كانت مع احتلال انجلترا البروتستانتية لأيرلندا الكاثوليكية كنوع من أنواع التمدد الاستعماري ابتدى من القرن ال12 وتولية الأمير جون" البروتستانتي"، وفي القرن الـ15، تم منع الأغلبية الكاثوليكية من الوصول للبرلمان، ومع مرور السنين والعقود والقرون أصبح هناك هيمنة للبروتستانت بجانب هجرة وتنجنيس للبروتستانت إلى أيرلندا، بهدف إحداث تحول ديموجرافي، وأصبح فيه ضد الأغلبية الكاثوليكية، وحدثت بالطبع العديد من الحروب الأهلية بين الأيرلنديين البروتستانت الموالين لبريطانيا وبين الأيرلنديين الكاثوليك (الأغلبية)، وفي نهاية القرن الـ19 حدثت الكثير من المناوشات عندما حاولت بريطانيا زيادة سيطرتها على جزيرة أيرلندا، وإلغاء البرلمان الأيرلندي وإعطاء امتيازات أكثر للأقلية البروتستانتية.


وبعد كده قامت حرب استقلال أيرلندا عن بريطانيا (1919-1921) بين الجيش الجمهوري الايرلندي (الشين فين) ضد الجيش البريطاني , إلي أن تم التوقيع علي معاهدة السلام التي تنص علي انسحاب بريطانيا من أيرلندا ماعدا المناطق التي بها تواجد بروتستانتي (اللى هي أيرلندا الشمالية), ويتم إعطائها حكم ذاتي تحت التاج البريطاني , طبعا الاتفاقية دي ماعجبتش جزء كبير من قادة الجيش الجمهوري الأيرلندي, واعتبروها خيانة وتفريط في أيرلندا الشمالية , فقامت حرب أهلية بين رفاق النضال (1922-1923) , طرف اعتبر التاني خاين وعميل ومفرط , وطرف اعتبر التاني أحمق ومتعصب وغير عقلاني وهايضيع المكتسبات , لو حد شاف فيلم "مايكل كولينز"بطولة ليام نيسون وجوليا روبرتس وآلان ريكمان.


عمومًا رغم اختلاف قصة أيرلندا الشمالية عن الوضع في مصر، ورغم إن الاتفاق وما تلاه لا يخلو من العيوب، لكن ممكن نستنتج أو نستخلص بعض النقاط، منها مثلا: 1- إن الجيش الجمهوري الأيرلندي اللي كان بيتم تصنيفه دوليًا (جماعة إرهابية محظورة)، أصبح شريك سياسي وطرف في المفاوضات وأصبح له حزب وتمثيل في البرلمان ونسبة في السلطة، رغم كل العنف والتفجيرات والاغتيالات اللي استخدمها الجيش الجمهوري الأيرلندي، ورغم كل القمع والوحشية اللي استخدمها الجيش البريطاني والشرطة الأيرلندية الموالية له.


2- الاعتراف بالآخر، وإن الآخر دا كمان له حقوق ومن حقه يعيش، أكيد طبعا فكرة الاعتراف بالآخر دي حاجة صعبة في مجتمعاتنا العربية عموما، أن فيه أجيال كتير اتربت على فكرة إننا متفوقين أحسن من الباقيين، وإن من حقنا بس إننا نعيش لكن الآخر عادي جدا يموت أو يتحرق بجاز، إحنا بس الأفضل من الناس التانيين .. إحنا كـ جنس أو إقليم أو طائفة أو طبقة أو أصحاب ثقافة أو كدين أو مجموعة أو حكومة أو أيدلوجيا أو حزب، دايمًا بنسمع إن الآخر هو الشر المطلق، وإن اختفاءه من الوجود هو الحل، ولكن دايما بعد عناء طويل فيه أمم بتكتشف إن الاعتراف بالآخر هو المفتاح وهو بداية الطريق.


أكيد طبعًا بيبقى الجلوس مع الآخر أو (العدو) على طاولة التفاوض أو النقاش بتبقى حاجة مؤلمة أو مقرفة، وكتير بيبقى فيه ضغوط أو مساومات، أو استفزاز أومحاولات للابتزاز، وأحيانا تنازلات في قضايا ومواضيع كنا فاكرينها من المسلمات غير القابلة للنقاش، لكن كل الحلول المؤلمة دي اللي بتؤدي لتجنب الدم أو إهدار المال والوقت.. بتبدأ بفكرة الاعتراف بالآخر.


3- الموضوع كمان بيبقى عايز قادة شجعان، لإن كل فريق دايمًا بيبقى فيه صقور وحمائم، ناس شايفين إن مجرد التفكير في النقاش هو خيانة، أو تنازل يستحق الموت أوالإقصاء، وناس شايفين إن لازم بعض التنازلات علشان نوقف النزيف والخسارة للطرفين ونقدر نعيش في سلام بعدها، ناس شايفين إن ايه المشكلة في التكلفة الفادحة للحرب/للصراع  دلوقتي ؟ أو تكلفة القمع أو فرم الآخر طالما ممكن بعد كام سنة نستريح منهم ونعيش من غير دوشة خالص؟ وناس تانية في نفس الفريق بيسمعوا كلام بايخ أو تخوين أو سخرية  علشان بيحاولوا يقولوا طب نهدى شوية، أو بيقولوا إن استمرار الصراع معناه استنزاف للموارد فيما لا طائل منه، أو بيقولوا طب نحسبها الأول، طب بلاش افترا، طب نسمعهم عايزين إيه الأول أو نكلم العاقلين هناك.


دايمًا دعاة الحل الوسط بيتم تخوينهم من إخواتهم أو من نفس الفريق أو من بني جلدتهم،  ولو استسلموا للمزايدات بتضيع فرصة وقف النزيف، لكن تجربة أيرلندا وكل تجارب العدالة الانتقالية في العالم اعتمدت في الأساس على قادة شجعان ماخافوش يقولوا رأيهم وماخافوش من المزايدات والتخوين.


4- من الملاحظ كذلك في أيرلندا الشمالية إن الرأي العام تحول من (ضرورة القضاء على الآخر وهزيمته هزيمة منكرة ولا حل إلا بذلك ) إلى ( ممكن نعيش مع بعض في مكان واحد ولا تقدم ونهضة لنا جميعا إلا بذلك)، ودا أخد مجهود ضخم وكبير من قادة الرأي والصحافة والإعلام، علشان يقدروا يمهدوا الفكرة للمجتمع اللي ظل سنوات طويلة مشحون بفكرة ضرورة القضاء على الآخر.


كلام الكراهية والتخوين ضد الآخر بيبقى سهل جدًا وبيؤدى للتعبئة واستغلال مشاعر الغضب والكراهية، لكن فكرة إنك لازم تمسك أعصابك وتستحمل الآخر وتعيش معاه في نفس المكان بدون اقتتال بتحتاج مجهود كبير وصعب لتوصيلها، واستغلال العاطفة أسهل دايمًا من إعمال العقل.


5- لازم يبقى فيه حافز سياسي، للطرف الأقوى والطرف الأضعف، يعني مثلا لو أنصار الوحدة مع بريطانيا كانوا راحوا للجيش الجمهوري قالولهم أرموا السلاح وتعالوا ندخلكم السجن، أكيد طبعا محدش هايسمع أو يوافق وهايبقى رد الفعل عنيف، نفس الكلام لو أنصار الانفصال قالوا لأنصار الوحدة تعالوا نحاكمكم ونطبق القصاص على كل ما ارتكبتموه طوال السنين اللي فاتت، كانت طبعا المفاوضات فشلت قبل ان تبدأ.


لما تدخل على حد معاه قوة وسلاح وتقول له: أنا عايزك تتخلى عن كل امتيازاتك وأموالك وقوتك وسلاحك وكمان تيجي علشان أحاكمك، عايزة يرد عليك إزاي؟


فلازم اللي عايز يحقق سلام يفكر الأول في الحافز السياسي لكل طرف، وإيه اللي هياخده لما يتخلى عن بعض من قوته أو سلطته او امتيازاته، وإيه اللي خايف يفقده أو خايف منه لو فقد جزء من سلطته أو امتيازاته.


6- آخر حاجة ممكن نستنتجها من تجربة أيرلندا الشمالية، هي إن مبدأ العدالة الانتقالية لا يعني نسيان الماضي بمنتهى البساطة، صعب كل حاجة تتمسح من الذاكرة، وكمان غير مفيد، لكن لازم الماضي يكون مذكور علشان كل الأطراف تتجنب تكراره، ولازم يكون المفهوم السائد هو مستقبل جديد للجميع، يعيش فيه الجميع، ويتعاون فيه الجميع، ويكون فرصة للبناء والاستفادة من طاقات ومجهود الجميع ضمن إطار جديد أو عقد جديد، يكون أساسه هو حل الصراع بشكل سلمي دون اللجوء لصراع صفري وثأر وانتقام، ودون تلاكيك ووضع العقدة في المنشار.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك