دمائي

342

أول مرة صمت صيامًا كاملاً كنت في الثامنة من عمري. أحببت الصيام، وأجواء شهر رمضان، وفخرت بنفسي، وأنا أتم صيام اليوم كاملاً؛ إتخذت حينها من زميل لي في الفصل مثلاً أعلي فقد كان يصوم صيامًا كاملاً مذ كان في الخامسة، وشعرت أنني لن أجاريه في تدينه فقد تأخرت عنه ثلاث سنوات. وفي العام التالي، بلغت؛ أنا أصغر واحدة أعرفها بلغت؛ كنت حينها في التاسعة من عمري. عندما بلغت أخبرتني أمي أنني لا يسمح لي دينيًا بالصوم أو الصلاة أثناء دورتي الشهرية، ولم أقتنع. رأيت الأمر إقلالاً مني، ومن قدراتي، وجزءًا من الاستخفاف الدائم بي، وبقوتي، وبصمودي. رأيت هذا المنع، والتحريم جارحًا لي، ويحاول أن يثبت أنني أقل من الرجل جسمانيًا. لم أهتم لتحريم صلاتي في الدورة لكنني غضبت بشدة من تحريم صومي، وقررت ألا أخضع أبدًا لذلك الاستخفاف بي، وأصررت علي الصيام أثناء دورتي الشهرية كل عام.

             صمت ثلاث عشرة سنة بعد بلوغي، وحافظت علي عهدي لنفسي ألا أفطر أبدًا أيام دورتي لأثبت لنفسي قبل الجميع أنني لست أقل من الرجل. وأذكر أن من عرفوا بصيامي في دورتي أخذوا يلقنونني دروسًا أن ما أفعله حرام، وأنني يجب أن أكسر صيامي، ولو بشربة ماء لأنني نجسة لا ينفع أن أصلي أو أصوم. صحيح أنني صمدت، وتمسكت بصومي في الحيض، وأنني لست أضعف من الرجل لكن داخلي حطمت. صدقت فعلاً بنجاستي، ولم أصلِ في حيضي، ولم أمس المصحف، وكرهت نفسي، واشمئززت منها، وساهم هذا كله أكثر في زيادة كراهيتي لجسدي، وعائني، والخصام الذي بقي بيننا. كثيرًا ماخجلت عندما تسربت الدماء علي ثوبي وسط الشارع أو سقطت علي دكتي في المدرسة. خفت جدًا من "فضيحتي". ولاطالما داريت فوطتي الصحية، وخجلت حتي وأنا أمسك الكيس الأسود الذي به فوطي الصحية؛ فلونه متعارف عليه كلون تستر بها الصيدلية الفوط الصحية. حتي التحرش في الشارع ارتبط عندي أحيانًا بحيضي؛ فقد كان طلاب المدرسة المجاورة لي الأصغر مني سنًا يذكرون بقع الدم علي تنورتي، ويستخدمونها طريقة للتحرش بي لفظيًا.

           بقيت أشعر بالذل، والكراهية تجاه جزء مني، ومن حياتي لأربع عشرة سنة بعد بلوغي، ولم تعالج هذه الجروح إلا عندما نظرت لعائني في المراّة وقبلته في حيضه، وقبلت دمائي. 

              قبلت دمائي، وأحببتها. 

          وكانت تلك اللحظة فاصلة في علاقتي بروحي لكنها للأسف أيضًا كانت لحظة واجهت نفسي فيها بشرخ كبير بيني وبين الدين؛ شرخ جعل النهاية في علاقتنا أقرب. والاّن وقد طلقت ديني مازالت اّثار الشرخ داخلي لا يشفيها الزمن. والاّن رمضان يبدأ، ولا أصومه لا في حيضي، ولا في غيره. الاّن رمضان يقبل وقد تحول من الشهر الأكثر محبة في فؤادي لأكثر شهور السنة كراهية بالنسبة إليّ. يقبل رمضان وتنزف جروح روحي كلها من ما كان ديني، ومما هو –لأبلغ الأسف- مجتمعي، وبلادي.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك