نصوص قانونية ودستورية .. على مقاس الحاكم

509

تفصيل القوانين في مصر ليس بأمر جديد لكن في الفترة الأخيرة أصبح الموضوع أكثر علنية من قبل وإستهدف أشخاص بعينها بداية من تحصين منصب وزير الدفاع حتى الحديث عن تعديل الدستور ومد الفترة الرئاسية مرورًا بمعاقبة أشخاص ذو مناصب بالدولة عن طريق إصدار قانون خاص بهم.

كما بدأ الحديث يتزايد في البرلمان حول ضرورة تعديل مادة فترة الحكم في الدستور ومدها ل6 سنوات بدلًا من 4 سنوات،  وعلى الرغم من أن رئيس البرلمان علي عبد العال نفى من قبل وتحديدًا في فبراير الماضي أي أنباء تردد حول تعديل الفترة الرئاسية وتغييرالمادة المتعلقة بها بالدستور ، إلا إن اللواء يحيى الكدواني، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب تقدم بطلب في البرلمان بمد الفترة الرئاسية، وعلل طلبه بانه يتعلق بالمصالح العليا للدولة؛ نظرًا للظروف الأمنية اللي بتتعرض لها البلاد!.

من نصر الدين للكدواني "وتغير مدة الرئاسة بالدستور":

في فبراير الماضي تقدم النائب " إسماعيل نصر الدين"  عن ائتلاف "دعم مصر" بطلب لتعديل بعض مواد الدستور المصري، الواردة في باب "نظام الحكم"، والمتعلقة بمدة انتخابات رئيس الجمهورية، واللي بتحدد مدة انتخابات رئيس الجمهورية بأربع سنوات، وتمنع إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة فقط.

ونص المقترح اللي قدمه نصر الدين على  إزالة الحظر عن إعادة انتخابت الرئيس أكثر من مرة، وزيادة مدة الرئاسة 6 سنوات بدلاً من 4،لكن سرعان ما نفى رئيس مجلس النواب علي عبدالعال الأمرفي جلسة عامة للبرلمان وقال"هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق"، وخصوصاً أن المادة 226 من الدستور تنص على منع تعديل النصوص المتعلقة بـ"إعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات".

وبعد مرور مايقرب من 6 أشهر رجعت الأقاويل المتناثرة حول ضرورة تعديل فترة الرئاسة بالدستور، لكن المرة دي كانت من وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب اللواء يحيى الكدواني وقدم نفس طلب نصر الدين مرة أخرى بنفس الأسباب لكن المرة دي أصبح الأمر تحت الدراسة ولم يرفض أو ينفى من قبل رئيس البرلمان كما حدث من قبل.

تعديل الدستور بالأمر :

رئيس مجلس النواب علي عبد العال اللي نفي أمر تعديل الدستور في جلسة عامة من قبل في شهر فبراير الماضي، هو ايضًا من صرح بضرورة تعديل الدستور في الشهر الجاري خلال مشاركته في مناقشة إحدى رسائل الدكتوراه بجامعة المنصورة، وقال نصًا خلال المشاركة " أن عمل أى دستور فى فترة تكون فيها الدولة غير مستقرة لابد من إعادة النظر فيه"!.

رئيس البرلمان اللي أشرف على حلف النواب على إحترام الدستور أغفل عن تصريحه من قبل بأن هناك مادة تمنع التعديلات الدستورية اللي بيتكلموا عنها من الأساس وهي الفقرة الأخيرة من  المادة 226 واللي بتنص على أن  فى جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أوبمبادئ الحرية، أوالمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات.

وبالتالي أي تعديل بالدستور متعلق بالأبواب اللي ذكرت بالمادة226 غير دستوري بالمرة ، وأي تعديل على أبواب أخرى تطلب شروط أولها موافقة ثلثي أعضاء المجلس على التعديل ومن ثم عرض التعديل على الإستفتاء الشعبي! كل هذا دون المساس بباب انتخاب رئيس الجمهورية ومباديء الحرية والمساواة.

البداية كانت تحصين وزير الدفاع :

على الرغم من أن القوانين في مصر معروف عنها التفصيل على مقاس النظام الحالي إلا أن الأمر أصبح أكثر وضوحًا وعلى مرئى الجميع، فطلب نواب البرلمان اللي أقسموا على احترام الدستور بتعديل مواد منه ممنوع تعديلها وفقًا لمادة صريحة بالدستور لم تكن المرة الأولى من محاولة تظبيط القوانين وفق رغبات الحاكم ، فمع بداية نظام 30 يونيه بدأت مرحلة تظبيط القوانين في العلن، وكانت البداية مع تحصين وزير الدفاع في الدستور واللي منصب " عبد الفتاح السيسي" في مرحلة التمهيد ليصبح رئيس الجمهورية.

المادة (174) في الدستور أعطت رئيس الجمهورية الحق في تعيين وزير الدفاع من بين ضباط القوات المسلحة لمدة دورتين رئاسيتين (ثماني سنوات)، بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة عليه، دون الإخلال بحق الرئيس في عزله.

بمعنى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو صاحب اليد العليا في تعين وزير الدفاع، وبكده كان الضمان إنه في حالة عدم وصول عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية يظل محتفظًا بمنصبه كوزير للدفاع وبالتالي تم تحصين منصب وزير الدفاع لصالح عبد الفتاح السيسي بشكل غيرمباشر بالدستور.

القوانين في مصر من التجريد الى التفصيل :

على الرغم من أن القوانين والمواد الدستور من المفترض أنها مجردة وعمومية في كل أنحاء العالم  بمعنى " تسرى على الكافة من حيث الاشخاص والوقائع دون تمييز،  كما انها تسرى على كل الوقائع التى تنظمها او تحكمها تلك القاعدة"، إلا إن الوضع في مصر عكس ذلك على الإطلاق فالقوانين تفصل وفقا لرغبة النظام ومع بداية عهد 30 يونيه أصبحت قاعدة التجريد والعمومية لا محل لها من الإعراب.


قوانين الأشخاص : 

وبالتالي مادة تحصين منصب وزير الدفاع في الدستور ليست الأولى ولا الأخيرة من نوعها لكنها فتحت الباب لتتوالى القوانين المفصلة ، وارد جدا يكون فيه قوانين بتتفصل عشان تغطي ثغرة ، أو تفتح ثغرة لاصحاب المصالح ، لكن الجديد كان تفصيل قوانين تستهدف أشخاص بعينهم ،  كان أول القوانين ، قانون الهيئات المستقلة اللي أصدر العام الماضي واللي استهدف به إقالة المستشار هشام جنينه رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بعدما تحث عن حجم الفساد في مصر.

نص القانون على أنه يجوز لرئيس الجمهورية إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم فى 4 حالات وهي «إذا قامت بشأنه دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، وإذا فقد الثقة والاعتبار، وإذا أخل بواجبات وظيفته بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة، وأخيراً إذا فقد أحد شروط الصلاحية للمنصب الذى يشغله لغير الأسباب الصحية»، وتم إقرار هذا القانون داخل مجلس النواب، ضمن القرارات بقوانين الصادرة قبل عقد المجلس، والتي أقرها خلال الـ15 يوماً الأولى من انعقاده.

وعقب اصدار القانون بأشهر قليلة أحيل المستشار هشام جنينة إلى التحقيق بطلب من النائب العام، على خلفية التصريحات التي أصدرها عن حجم الفساد في عام 2015، وذلك عقب إقالته من منصبه بقرار من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي.



من قانون هشام جنينة الى قانون الدكروري :

بعد ما انتهت أزمة المستشار هشام جنينة بدأت أزمة جديدة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والقضاء واللي كان سببها قضية اتفاقية ترسيم الحدود " جزيرتي تيران وصنافير" واللي فتحت الباب لتفصيل قانون جديد لكن المرة ديه للهيئات القضائية وخصوصا المستشار يحيى الدكروري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة صاحب الحكم التاريخي بمصرية تيران وصنافير وبطلان اتفاقية ترسيم الحدود.

ففي ابريل الماضي صدّق الرئيس عبد الفتّاح السيسي على تعديلات قانونية أقرها البرلمان ، تتيح له اختيار رؤساء 4 هيئات وجهات قضائية من بين مرشحين متعددين، بعد ما كانت الجمعية العمومية لكل هيئة تقدم المرشح إلى رئاستها وكان الأمر بالأقدمية.


ومع الحكم التاريخي للمستشار الدكروري واللي كان عكس رغبة النظام اللي أصر على تسليم الجزر للسعودية على الرغم من بطلان الاتفاقية وفقا للاحكام القضائية ،كان قانون الهيئات القضائية هو الحل لإزاحة المستشار يحيى الدكروري من رئاسة مجلس الدولة وتعين المستشار  أحمد أبو العزم الذي يرأس قسم التشريع بمجلس الدولة، وهو هيئة قضائية تختص بالمنازعات الإدارية( بدلًا منه).


النصوص المعدلة "عجينة" معدة للتفجير : 

اللي بيفصلوا القوانين مش مدركين خطورة اللي بيعملوه ، أو مدركين ولكن هدفهم الأول ارضاء الحاكم ، ولو على حساب الدولة المصرية ، الأصل في النصوص انها  تكون متجاوزة للأفراد ، يعني النصوص اللي بتتفصل على مقاس الحاكم ، ممكن تتحول لألغام تنفجر فيه هو شخصيا .


تاريخ التعديلات الدستورية :


على الرغم من ان تاريخنا مليان بحالات تفصيل القوانين ، الا ان التعديلات الدستورية ، خاصة المواد المتعلقة بفترة الحكم بتسبب خلل في الاستقرار السياسي .

تعديل السادات الشهير ، واللي سمح ليه انه يقعد في الحكم لفترة غير نهائية بسبب كلمة واحدة في الدستور "مدد" ، مستفادش منه السادات اللي اتقتل بعدها بشهور ، لكن مبارك حكم 30 سنة بسبب التعديل ده .

تعديل مبارك لمادة الحكم عشان يسمح بانتخابات تتيح تمرير التوريث ، أثارت موجة احتجاجات واسعة لحد الاطاحة بيه في 2011 .

الاعلان الدستوري اللي أصدره محمد مرسي ، كان بداية لنهاية حكمه خلال شهور .




تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك