قصة قصيرة : بنت القمر

1029

  خرج من المقهى والهواء البارد يلفح وجهه ومازال يسمع موسيقى The Godfather تتردد داخل رأسه نظر الى الشارع الخالي تماما الا من اعمدة الانارة التى تطل عليه بعيونها الصفراء وتمتد بطول الطريق وكأنها ثعبان ملتوى لا يرى له رأس من ذيل يرخي عليه الحزن عباءته الثقيلة الباردة تتسلل الوحدة الى صدره فتثقل انفاسه

يشعر بوهن اقدامه تحت وطأة ثقل عباءة الحزن تلك التي التفت حول كيانه كأنها كفن

اصبح لا يري الا من خلالها

يشعر بها تهشم روحه

ادرك انه اعلن استسلامه اخيرا لهذا العدو القاسي منزوع الرحمة المسمى بالحزن

يشعر به يحتله ويتخلله بكل ثبات وثقة ، يرفع رأسه فيرى القمر من خلال تلك العباءة المظلمة

يرى غيمة قاتمة قد مرت من امامه لكن ضوءه اصبح خافتا

ها انت يا صديقي القديم ما زلت اراك تنظر الي مبتسما ، كنت اراك دئما مصدر الامل الوحيد بضوئك الذي يشق الظلام

اليوم ارى ظهورك هو ظهور الحقيقة القاسية بعد انقشاع سحب الاوهام

تزداد عتمة عباءة الحزن اللعين

يشعر بمخالبه القاسية الباردة تمزق نياط قلبه

يشعر بانيابه الحادة تلتهم احلامه

يسير فى طريقه وهو يسمعها تأن من خلفه وهى تلفظ انفاسها الاخيرة

وهو لا يجرؤ حتى ان يلقى عليها نظرة الوداع

يزداد شعوره بثقل العباءة وبضعف اقدامه

كان يظن دوما انه مقاتل عنيد عندما قهر فى صغره اول اعدائه وهو الغضب

هذا الوحش الكاسر كان دوما يسيطر عليه ويسلبه عقله واستطاع بعد قتال عنيف امتد طويلا ان يكبح جماح هذا الوحش اللعين وان يحبسه فى قبر عميق

الان يشعر بآسره الجديد يحفر هذا القبر بحوافر مشتعلة كأنها خلقت من الجحيم

تذكر ذلك العدو الخبيث الذى كان يتسلل الى قلبه فى الماضى ويبث فيه سمومه،  انه الخوف

وحتى هذا الاخر تخلص منه بعد معارك عنيفة وبمثابرة وصبر طويل تركه خلفه جثة هامدة ، أو هكذا كان يظن

فها هو هازمه الجديد يعطيه قبلة الحياة ليعود من جديد كان يظن أنه لا يهزم أبدا بعد انتصاره على أعدائه السابقين

ها هو مقيد فى الأسر ، مسلوب الارادة

وها هم اعدائه القدامى يعودون

انه يشعر بلهيب الغضب يتسلل الى رأسه ويشعر ببرودة الخوف تتمكن من قلبه فليستسلم للامر فالنهاية محتومة ، بابشع صورها 

يزداد البرد قسوة وتزداد العتامة أمام عينيه

يضع كفيه فى جيوب معطفه ويسير وهو يرسف فى اغلاله مطأطيء الرأس

يقف عند احدى المحلات ليشترى طعاما بحكم العادة

وهو لا يعلم كيف سيبتلعه تظهر هى بعيونها الواسعة وشعرها الناعم مثل نسيم الصيف تتعلق عيونها به وهى تبتسم

يشعر بضوء خافت يتسلل الى روحه فيداويها ، يرى النور يصارع الظلمة فى احشاءه

لازالت تنظر اليه وهى ترى شبح الابتسامة على وجهه

تزداد وضوحا وكأنها جثة تعود من الموت

تقترب وتقدم له قطعة صغيرة من الحلوى

يمد يده فتمس يده متعمدة وهى تضحك ، تضع فى كفه قطعة الحلوى وتغلقه عليها ، وهى تربت على كفه بكفها الرقيق الصغير

ثم تهرول بعيدا عنه

كانت هذه لمسة الحياة

أراه يستل سيفه ويمزق تلك العباءة بكل ما أوتي من قوة

الأن تحرر من قيده ودبت الحياة فى أوصاله

الأن يقف شاهرا سيفه فى وجه أعداءه ، الذين اصطفوا فى مواجهته ويستعدون للفتك به

ولكنه يشعر بالقوة تسري فى عروقه ويمتليء عزما على الانتصار مهما طالت المعركة

يفكر كيف لابتسامة ولمسة حانية من كف طفلة فى الرابعة من عمرها تعيد له الحياة

ينظر الى السماء فيجد القمر قد ازداد سطوعا وكأنما ملأ السماء بنوره وهو مازال يبتسم

يفكر أن الله أراد أن ينقذه فأرسل اليه بنت القمر

علي الباز

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك