وقال المسافر للمسافر

363

وقال المسافر للمسافر

لا أعرف الصحراء،


لكني نبت على جوانبها كلاما...

قال الكلام كلامه، ومضيت،

لم أحفظ سوى الإيقاع

أسمعه 

وأتبعه

وأرفعه يماما


تعودني دائما في هذه الأيام كلمات الإطراء والثناء، التي كثيرا ما توجه إلي بسبب مهنتي وما أقدمه، من خلالها، وهل حقا يستحق هذا العمل كل هذه الكلمات؟!

صحيح انني ابذل كثير من الجهد والعناء، ويظن الكثير ممن حولي أنني أحسن صنعا عندما أكون المدافع عن أحد سجناء الرأي فهل هذا يكفي ؟

كنت دائما علي يقين أن ما أقوم به من رفقة زملائي هو دور مهني، لا يحتاج تلك الأفعال الرومانسية التي يجب أن تُذكر يوما بدفتر أحوال الوطن. 

ولم تذكر!  اذ لم أكن أنا فيجب علي المحكمة أو جهة التحقيق أن تجد من يؤديه..

ولكن في زمن الهزيمة يزيد الغيام وتصبح الرؤية أكثر ضبابا وتصبح "الطبطبة" أهم من الحقيقة، والعناوين البكائية أهم من الخبر، هذا ما يألفه الوجدان، ويستكين له القلب .. عندما تكون الرتابة  سمة كل شئ، والملل هو الايقاع المسيطر فهناك تحديدا عند السور الأسمنتي المقابل لأحد مقرات المحاكمة الاستثنائية، تتشابه الكلمات كما تتشابه الوجوه والأفعال والمشاعر. وهذا ما يجعل الأمر يمتد بهذا الدور المهني إلي ما هو أبعد من مهنيته ، فاذا ساقك القدر أن تأتي الينا يوما، فدورك لن يتوقف عند مراقبة سير التحقيقات والبحث عن الطريقة المثلى التي تُوفر بها ضمانات المحاكمات العادلة والمنصفة، والبحث القانوني في مواد الاتهام، فحسب .. إلي جانب ذلك كله يستلزم منك الأمر رفع الهمم وبث الثقة كأنك طبيب نفسي وعليك أيضا نقل الظروف المحيطة بشفافية كاشفة لهذا الواقع المرير ليصبح دور مهني وأنساني.


أنسى من أكون لكي أكون

جماعة في واحدٍ، ومعاصراً

لمدائح البحارة الغرباء تحت نوافذي،

ورسالة المتحاربين إلى ذويهم:

لن نعود كما ذهبنا ..

لن نعود.



- صباح الخير: هحاول أخرجه من الانفرادي ولو ربنا كرم هندخله الدواء.. جبتوا التقارير الطبية اللي قولت عليها علشان نحاول نعرضه علي طبيب مختص .

- طب حضرتك في أمل!

ماعتقدش فيها اخلاء سبيل النهاردة.

- ارجوك احنا معرفناهوش في الزيارة بمرض أبوه ..بس بلغه ان مراته الحمدلله ولدت وجابت بنوته . وهي مُصره ان هو اللي يسميها.

لا تتوقع المزيد فهذا هو سياق أغلب الأحاديث .. الكلمات أصبحت كتلك الرسالة الصوتية المسجلة  وحديث القانون كالرفاهية . لأنه لم يعد هناك مجال للحديث عن أوراق تحقيقات واتهامات .

عناء الاهتمام دائما ما يلخص في محاولة نقل متهم لاجراء عملية جراحية في يده، فهو مصاب بكسر مضاعف في اليد منذ أشهر نتيجة للتعذيب الذي تعرض له ومكان احتجازة قبل خضوعه للتحقيق. 

توفير الرعاية الطبية أهم الأن من اثبات البراءة فهي لاشك فيها اذا خضع أحدهم الي مجاكمة طبيعية، ولكنه الأن يحتاج إلي عملية تغيير مفاصل الحوض بشكل سريع كما قال له طبيب العظام بمستشفي السجن .

لن أنسي ما حييت ذلك الشاب العشريني الذي حاول قطع شرايينه هناك بعدما أصيب باكتئاب جراء حبسه الانفرادي لشهور داخل سجن العقرب وهو ممنوع عنه زيارة أهله وعرضه علي أي طبيب.

عندما تعود الي فراشك يتلاشي كل شئ وتبقي وحدها تلك المشاهد بذهنك، كيف  لك أن تقنع أحدهم بأن كل شئ علي ما يرام ولا داعي للخوف و أنها مسألة وقت بعدما رأي هذا المشهد ؟!

فقال: أكتب ليخضر السراب

فقلت: ينقصني الغياب 

وقلت: لم أتعلم الكلمات بعد

فقال لي: أكتب لتعرفها

وتعرف أين كنت، وأين أنت

وكيف جئت، ومن تكون غداً،

ضع اسمك في يدي واكتب

لتعرف من أنا، واذهب غماما

في المدى ...


يوما ما بعد أحد الجلسات الروتينية ، صارحني أحدهم ان كل ما يؤرقه بمحبسة هو ميعاد جلسة التجديد وقال نصا:  بيصحوني الساعه سبعه الصبح ألبس سترة ميري وافطر واخد حمام وأنزل استني في التقفيصة من تمانيه لحداشر لحد ما الترحيلة تيجي وبعدين اروح علي حبسخانة المحكمة استني لما دوري ييجي على الساعه ٣ كدا واطلع استنى شوية في طرقة. لما دوري ييجي واخش دقيقتين امضي ع قرار التجديد واطلع الطرقة تاني أستنى دوري لما ييجي عشان انزل الحبسخانة واستني تحت لحد ما كل الترحيلة تتعرض ونرجع تاني للسجن على الساعه عشرة بليل .. ١٤ ساعة من اللاشيء عشان امضي ورقة في اقل من عشر ثواني في رحلة من العذاب لا طائل منها .. فلم آتي الي هنا :قولهم يجيبهولي السجن، علشان اشوفك، خلاص امضيها انت ، انا وانت واحد ..

أأنا أنا؟

أأنا هنالك ... أنا هنا؟

في كل "أنت" أنا,

أنا أنت المخاطب, ليس منفى

أن أكونك. ليس منفى

أن تكون أناي أنت. وليس منفى

أن يكون البحر والصحراء

أغنية المسافر للمسافر:

لن أعود, كما ذهبت،

ولن أعود ... 






تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك