لماذا جعلتموني أنتحر؟

550

لعل هذين المشهدين يكونان بمثابة نموذجين يستنبط من خلالهما مسحة من الأسباب التي تؤدي إلى الانتحار، وبصيص من الظروف التي تحول بين استشراء هذه الظاهرة وعلاجها. المشهد الأول: أنا الآن أسير بخطا وئيدة إلى راحتي الأبدية في مشهد متناغم مع الأجواء المحيطة به، أجواء طبيعية تجعلني أتوق إلى العودة إلى خالقها، فتكاثف السحب المغيمة التي تواري وراءها ما تبقى من أشعة الشمس وقت الغروب، خير تعبير على حالي، كأن هذه السحب تأبى تسلل شعاع الشمس من خلالها لإضاءة صقع من أصقاع العالم المظلم، في آن واحد يفقد فيه العالم نبراسًا من نباريس الحقيقة.

لست مثاليًا، ولست أيضًا نرجسيًا حتى أصف نفسي بنبراس الحقيقة، ولكني بعدما كنت صادقًا في التشابك مع مواقف وأفكار المحيطين بي، كنت بمثابة محل للاستنفار، فمواجهة نفسي بذات الصورة الموضوعية التي واجهت بها غيري كانت ضرورية، لذا فعندما وقفت أمام مرآة نفسي؛ تبين لي أني لست مثاليًا، ولكني من جهة أخرى لست رعديدًا، بل أنا نبراس للحقيقة مبلور في صورة مرآة يرى فيها المجتمع – بأفراده ومسؤوليه – قبحه، فمن غير المعقول أن أكون صريحًا مع المحيطين ولا أكون صريحًا مع نفسي.

كوني نبراسًا للحقيقة. هذه حقيقة، وليس من قبيل الإطراء على النفس. نعم، هانت علي نفسي التي تعتبر أسوأ ما في. كرهتها عن صدق؛ لأن جانبًا منها ينزع إلى الانصياع وراء مثالب الطبيعة البشرية في بعض الأحيان، وهذا هو الجانب المستشري في العالم أيضًا، ولكن الفرق بيني وبين العالم أني ألوذ دائمًا بربي، وأستغيث به ريثما يتطهر قلبي من مساوئ الطبيعة البشرية، ويجعلها أداةً طيعةً في يد ضميري، وليس العكس كما هو مسيطر على العالم، كما لا يوجد شيء على مقدار من الأهمية لكي أتمسك به في هذا العالم، أنا الآن في طريقي إلى مآلي ولا أنتظر من أحد أن يوجه لي كيلًا من الكلمات المعسولة؛ فيثنيني عن قراري، ولكني أتوق إلى ابتسامة صادقة تطل علي من وجه مغمور بالمودة والرحمة والصدق، لعل هذه الابتسامة تثنيني عن قراري، وتمدني بشيء من الحبور الذي يجبرني على مراجعة نفسي، كما أني أشتاق إلى حضن صادق ودافئ من أمي وأصفيائي الذين أستشعر من نبرات أصواتهم محبتهم لي غير القائمة على أسس تضع أوزارها مثالب الطبيعة البشرية.

ومن ناحية ثانية تروعني ردة فعل والدتي بعد اعتزالي الحياة، ولكن ما يجعلني أشيح وجهي عن هذا، وأستمر في طريقي، تضافرها مع المجتمع علي في لحظة من اللحظات، وعدم إنصاتها لي في لحظة لا يختلف فيها الاتهام الموجه منها لي عن اتهامات أصفيائي الذين يتهمونني هم أيضًا بالكآبة، ويطالبونني بضرورة التكيف مع المجتمع، عندما أسرد إليهم موقفًا من المواقف التي أتصادم فيها مع مجتمع فرض علينا دروبه التي إذا تخلفنا عن السير فيها سنكون من المغضوب عليهم، وفرض علينا قيمًا أخلاقيةً رنانةً، ولكنها تكون بالنسبة لي بمثابة نهفات عندما نقارنها بواقعه، أخيرًا الآن قبل هنيهات من الوصول إلى مأربي هناك سؤال ملح سأتركه لكم لكي تبحثوا له عن إجابة: لماذا جعلتموني أنتحر؟

المشهد الثاني: اعذروني يا أبنائي؛ لم أكن الأب المناسب لكم، لأني لم أستطع توفير حياة كريمة لكم، وأتيت بكم في دولة لا تحترم الإنسان، نعم كما ستقرأونها، أظن أن ليس هناك أكثر ما يبرهن على ذلك من تصريحات المتحدث الإعلامي باسم هيئة تشغيل وإدارة المترو التي احتوت على عبارات – على المحبطين الابتعاد عن محطات المترو؛ كي لا تتعطل مصالح المواطنين – تبين استهانة الدولة بأرواح المواطنين. أعلم التساؤل الذي سيدور في رءوسكم عندما تكبرون؛ لماذا لم تعترض على هذه الأوضاع وتطالب بحقوقك في حياة كريمة؟ لذا فإن الإجابة هنا: في دولة تفتقد فيها العدالة لن ينظر إلى حقوقي على أساس أني مواطن يطالب بحقوقه المستحقة في حياة كريمة، أستطيع من خلالها أن أداوي أخاكم من الداء العضال الذي ينهش في أوصال جسده، أو أوفر لكم حياة كريمة، بل ستسحب الشكوى على بساط آخر مشكل بيد الدولة التي لن تتورع عن إلقاء سيل من الاتهامات الجزافية علي.

لذلك فأنا أفضل أن أعتزل الحياة لفشلي في تأدية مقتضيات رسالتي التي تصبو ناحية توفير حياة كريمة إليكم، ولكن قبل الرحيل. هناك تساؤل أوصيكم بأن تجوبوا به أراضي البلد التي تعيشون فيها لعلكم تجدون لي إجابة تواسيني في لحدي، هذا التساؤل موجه إلى المسؤولين في الدولة التي لا تحدس أن السبب الرئيس في قيامها توفير حياة مطمئنة وآدمية للقاطنين فيها: لماذا جعلتموني أنتحر؟

محمد عيسى

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك