نعيش في عصر القلق

183


تسير حياتنا جميعاً علي وتيرة واحد ، بنمط روتيني ، لا يتغير بسهولة ، ومع تسارع وتير النمو في دول العالم التي تسعي للتنمية  ، و تسارع و تيرة الانفتاح ، تزداد التزامات و الاعباء  ، و تزداد الحاجة للمال  و أوجه الصرف ، و توافر مصدر دائما لتدفقه ، فأصبح العمل ، ما هو الا وسيلة ، لاستمرار تدفق الأموال ، لقضاء الحاجات الضرورية لباقئنا  أحياء علي هذه الأرض  .

و مع  تحسن مستوي الصحة العامة منذ خمسين عاماً تقريبا ، و توفر التعليم المجاني ، لاغلب فئات الشعب ، توافرت وفرة من الايدي العاملة في الأسواق المحلية ، و العالمية ايضا ، فلم يعد أرباب العمل في حيرة من أمرهم ، حال ترك احدنا العمل لديهم ، و لم يعد لنا الكثير من الفرص لترك اعمالنا و اشغالنا ، التي تسبب لنا الكثير من الضيق و المعاناه في حالات كثير ، فلم يعد هناك فرض لأن تعمل ما تحب أو تحب ما تعمل  .

فليس من الصحيح أن الأمراض الجسمانية هي ما تعيق الأنسان عن أداء عملة فقط ، لكن للأمراض النفسية أيضا ، آثر أكبر علي الآنسان في إعاقة مسيرته ، و من أهم هي الأمراض هي القلق .

فالقلق هو حالة نفسية وفسيولوجية تتركب من تضافر عناصر إدراكية وجسدية وسلوكية ،  لخلق شعور غير سار يرتبط عادة بعدم الارتياح والخوف أو التردد ، غالباً ما يكون القلق مصحوباً بسلوكيات تعكس حالة من التوتر وعدم الارتياح .

و وفقا للدراسات الحديثة ،  فواحد من كل خمسة أشخاص سوف يطورن خلال حياتهم نوع من أنواع إضطراب القلق ، هذه النسبة تضع إضطرابات القلق على رأس قائمة الاضطرابات النفسية من حيث نسبة الانتشار ، كما ان نسبة إنتشار إضطرابات القلق أكبر لدى النساء من الرجال. 

ويعتبر القلق رد فعل طبيعي للضغط ،  لذا تشير العديد من الدراسات إلى أن نحو 40 مليون مواطن في أمريكا فقط مصابين بالقلق ونحو 18 بالمائة من كل سكان العالم يعانون من القلق علي وجه .

بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية فإن شخصاً من عشرة مصاب باكتئاب أو اضطراب أو قلق شديد، وهذا يسير إلى ازدياد كبير في الأعداد مقارنة بالعقود الماضية، إذ قفزت الأعداد من 416 مليون شخص في العام 1990إلى 615 مليون في العام 2013.

وتشير الإحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن نحو 60% من الأمراض التي تصيب الإنسان تعود إلى الأسباب النفسية أو الضغوط الحياتية اليومية.

يتميز القلق عن الخوف ، حيث أن الخوف يشكل استجابة عاطفية وادراكية ملائمة للمخاطر المتوقعة والمتصورة ، مرتبط بالسلوكيات المحددة لاستجابات " الكر أو الفر " ، اما القلق  فيظهر في المواقف التي يتصورها الشخص على أنها لا تقع ضمن السيطرة ولا يمكن تفاديها بالرغم من بعد ذلك عن الواقع .

مقياس هاملتون للقلق هو مقياس يستخدم على نطاق واسع يقيس شدة قلق المريض ، وعلى أساس 14 معيار ، بما في ذلك مزاج القلق والتوتر والمخاوف، والأرق، والشكاوى الجسدية والسلوك في المقابلة. طوره إم. هاملتون في عام 1959 .

يحاول علماء النفس ، تصنيف أنواع القلق ، الي انواع محددة ، الا انه من المستحيل وصع أنواع محددة ، بسبب تغير الطبيعة النفسية و الحالة الاجتماعية و البيولوجية لكل حالة علي حده ، انما وضع العلماء أنواع اكثر ظهوراً و انتشاراً ، من هذه الأنواع ما يلي :

اضطراب القلق العام "المبسط ".

قلق وجودي .

اضطراب الرعب .

قلق الامتحان .

القلق من الغريب والقلق الاجتماعي .

و يتم العلاج غالباً اما بإستخدام الطب النفسي و طرق علاجه ، أما عن طريق الأدوية الطبية ، او بإستخدامهما معاً ، و يتم ذلك في ضوء المعطيات لكل حالة علي حدة .

الا أن التكلفة الإقتصادية لعلاج القلق و الأمراض النفسية بوجة عام ، ماظلت غامضة ، و مازلت صعب إحصائها ، او وضع تقديرات نهائية لها ، لكن تشير الإحصائيات الأولية إلي حساب تكاليف العلاج في 36 بلداً من البلدان المنخفضة والمتوسطة والمرتفعة الدخل على مدى خمسة عشر عاماً من عام 2016 إلى عام 2030 ، و وجدت الدراسة أن التكاليف المقدرة للتوسع في العلاج ، الذي يتضمن في المقام الأول المشورة النفسية الاجتماعية والأدوية المضادة للاكتئاب ، تبلغ 147 مليار دولار أمريكي ،  ومع ذلك فالعائدات تفوق التكاليف.

ومع ذلك، فإن الاستثمار الحالي في خدمات الصحة النفسية يقل بكثير عن اللازم ،  فوفقاً لمسح عام 2014 لأطلس الصحة النفسية التابع لمنظمة الصحة العالمية، تنفق الحكومات 3% في المتوسط من ميزانيات الصحة الخاصة بها على الصحة النفسية ، وتتراوح النسبة من 1% في البلدان المنخفضة الدخل إلى 5% في البلدان المرتفعة الدخل.

ويقول جيم يونغ كيم، رئيس مجموعة البنك الدولي السابق إنه "على الرغم من أن مئات الملايين من الناس حول العالم يتعايشون مع الاضطرابات النفسية، مازالت الصحة النفسية تقبع في الظل ، والمشكلة لا تتعلق بالصحة العمومية فحسب، بل هي مشكلة إنمائية. ويتعين علينا أن نعمل الآن لأن الإنتاجية المفقودة تشكل أمراً لا يقدر الاقتصاد العالمي على تحمله."

وأكدت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية على ضرورة إيجاد سبل تتيح الحصول على الرعاية الصحية النفسية لجميع الرجال والنساء والأطفال، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه ..

فالدرسات تشير الي انه  في ظل تدهور الصحة النفسية مع الحروب وحالات الطوارئ حول العالم، حيث ترتفع حدة القلق و الاكتئاب والاحباط والعقد النفسية وحالات الشيزوفرينيا التي يصعب معالجتها مع مرور الوقت، ما يستدعي تحركاً سريعاً.

 وقد حذرت منظمة الصحة من التعاطي مع هذه الاختلالات بالأدوية المهدئة فقط، كما في حالة أطفال سوريا الذين بدأوا يعانون من اختلالات نفسية حادة.

بناء عليه تكشف منظمة الصحة العالمية أن الاضطرابات النفسية تكلف الاقتصاد العالمي سنوياً نحو 925 مليار يورو، في ظلّ ما تسببه من انقطاع عن العمل وخسائر في الإنتاج.

وحذرت المنظمة بأن عدم إيجاد حلول سريعة وفاعلة لهذا الواقع، سيكلف 12 مليار يوم عمل (50 مليون سنة)  بسبب الأمراض العقلية  في عام 2030، وإن كانت تكلفة زيادة المشورة النفسية والأدوية المضادة للاكتئاب خلال السنوات الـ15 المقبلة ليست سوى 147 مليار دولار ، إلا أن هذا الاستثمار سيحسن من مشاركة القوى العاملة بنسبة 5 في المئة تصل إلى 399 مليار دولار، كما سيضيف 310 مليارات دولار كعائدات صحية أفضل .

تواجه الجهود المبذولة لرأب فجوة علاج الأمراض النفسية العديد من الحواجز،  لذا تُعَد الاستراتيجيات المبتكرة ضرورية للتغلب عليها،  وقد حاولت بعض البرامج تذليلها من خلال دمج الصحة النفسية في خدمات الرعاية الصحية الأساسية، مما يجعل رعاية الأمراض النفسية أكثر سهولة.

 الا أن الامر ليس بهذه السهولة ، فالكثير من شركات التامين الصحي ترفض هذا ، نظراً للتكلفة المرتفعة لعلاج هذه الأمراض ، و عدم إمتثال مصابيها للشفاء العاجل في الكثير من الأحيان ، و إرتباط هذه الأمراض بالعجر التام في بعض الأحيان ، الأمر الذي يضع المهمتمين بهذا الشان في حيرة من أمرهم لحل هذه المعضلة في الوقت القريب  .

فمازالت مواجهة الاثار المباشرة و الغير مباشرة  لهذا المرض و غيرة من الامراض النفسية  ، يتحملها الشخص نفسة و اسرته ، و مازالت الدول في الوقت الحالي لا تعطي اي عناية لهولاء ، فنحن نعيش في عصر التجاهل و نعيش في عصر القلق .


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك