كفر ناحوم ومحاكمة الإله

615


                  فيلم كفر ناحوم المعروض الان بسينما زاوية للمخرجة اللبنانية نادين لبكي والمرشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي هو من أفضل الأفلام التي تتسم بالواقعية،ومناقشة قضايا سياسية، واجتماعية، ودينية، وفلسفية شديدة العمق. هذا المقال ليس نقدًا فنيًا لكفر ناحوم إنما هو تحليل لبعض المفاهيم العميقة التي حملها الفيلم بصورة مباشرة أحيانًا، وموارية في أحيان أخري. 

                 في المقطع الترويجي للفيلم، وعلي أفيشه، وفي دقائقه الأولي نري "زين" الطفل الذي ينتمي لواحدة من أكثر أماكن بيروت عشوائية "كفر ناحوم" وهو يقف أمام القاضي ليقاضي والديه بتهمة إنجابه في الحياة. ونعلم خلال الدقائق الأولي أن زين مسجون لمدة خمس سنوات في جناية طعن رجل يصفه زين بدون خجل ب"ابن شرموطة." الفيلم يتتبع قصة حياة زين وسط أسرته التي تعيش في منطقة عشوائية، والمعاملة القاسية التي يلقاها زين وأخوته من أمه، وبيع والديه لأخته "سحر" لبقال يكبرها بسنوات وهي في الحادية عشرة لضمان بقائهم في منزلهم. يهرب زين بعد ذلك ليعيش مع "رحيل" عاملة نظافة أثيوبية تخبأ رضيعها في منزلها مع زين حتي لا يعلم أحد أنها أنجبت من بواب مخدومتها السابقة ويرحلونها من البلاد، ويسلبونها ابنها. تختفي رحيل ويجد زين نفسه في الشارع ثانية، ومجبرًا علي العناية بالرضيع الأثيوبي "يونس" حتي يستسلم زين، ويبيع يونس لمجرم يبيع الرضع لعائلات ثرية، ويتاجر في الهجرة غير المشروعة، وتزوير بطاقات الهوية. و يعود زين لعائلته ليعلم أن أخته ماتت وهي تلد، فيقرر طعن البقال الذي تسبب في موتها. وفي السجن، يجد زين رحيل المسجونة بلا أوراق هوية، ويساعدها في إيجاد ابنها. يقرر زين رفع قضية علي والديه عندما يعلم أن أمه تنتظر مولودًا جديدًا ليقاضيهما بتهمة إنجابه.

               من المميز في الفيلم أنه استعان بشخصيات حقيقية فمن يلعب دور زين هو لاجيء سوري عمل منذ طفولته. ومن تمثل "رحيل" هي أرترية في لبنان بلا أوراق وتم حبسها حقيقة أثناء تصوير الفيلم لولا تدخل فريق العمل لإخراجها من الحبس. حتي الرضيع "يونس" هو في الحقيقة رضيعة أهلها تم ترحيلهم حقيقة من لبنان! تصوير الفيلم ينقل الإحساس للمشاهد بقذارة كل منطقة قذرة يظهرها، ويجعل المشاهدين يشعرون بالإنتعاش مع زين، ويونس عندما يغتسلون في محطة وقود! صدق الفيلم ينقل الإحساس الصادق للمشاهدين، ويستحق الفيلم كمية الجوائز التي رشح لها أو نالها مثل الجولدن جلوب، والأوسكار، وكان.

            عمق الفيلم يوجد في مجموعة أسئلة، وأفكار اجتماعية ودينية عميقة يطرحها. الفيلم يطرح بقوة فكرة الإنسانية ووحدة ألمها؛ فالعلاقة التي تربط زين برحيل وبيونس علاقة تتخطي فروقهم العرقية تمامًا. وعندما يفكر زين في كيفية تبرير كذبه بشأن أخوته ليونس نجده براءة يقول أن أمه كانت تشرب قهوة كثيرة أثناء حملها! ورغم ما يبدو عليه هذا التبرير من سطحية، ومدعاة للضحك إلا أنه في حقيقته يرمز لتفاهة التفكير في الاختلاف العرقي. العلاقة التي نراها بين رحيل وزين نلمس فيها أمومة ورقة وحنانًا لا نراهم بين زين وأمه التي ولدته. والأعمق هو علاقة زين بيونس، والتي يظهر فيها زين –ليس فقط كأخ شقيق ليونس- بل للأغرب كأم يونس خاصة في اللحظات التي يحمل زين يونس مثلما كانت تحمله رحيل أسفل ثدييها، ويطلب فيها يونس الرضاعة من زين! الفيلم يحمل رسالة عميقة عن العلاقات الإنسانية، وصورة متمردة، ومحطمة لكل المفاهيم السائدة عن "الأسرة"، و"الهوية"، والأخر.

               المفهوم العميق الثاني الذي يتحداه الفيلم هو السلطة والحق الذي ينظر له الكثيرون كحق مطلق للوالدين علي الأبناء وهو حقهم في إنجابهم. الفيلم يضع السلطة الأبوية، وحتي الأمية أمام المحاكمة، ويتحدي المفهوم السائد عن هذه السلطة غير المساءلة. الفيلم يطرح بقوة مسؤولية الوالدين تجاه الأبناء، ويؤكد علي أن الوالدين ليسا في مكانٍ أعلي من الأبناء، ويحق لهم أن يتحكموا بهم –حتي بحجة معرفة الأصلح لهم-. الفيلم يؤكد أن كل من يلد طفلاً في ظروف غير مواتية أو يسيء إليه يجب أن يساءل، ويعامل كمجرم. والشعور العام الذي يخرج به المشاهد أن هذين الوالدين هما المساءلين في كل ما وصل إليه أبناؤهم، وأنهم يستحقون السجن بديلاً عن زين. ما يتحداه هذا الفيلم هو مفهوم عربي متأصل في سلطة الوالدين علي الأبناء (سلطة الأقوي علي الأضعف).

              السؤال الثالث، والمحاكمة الأقسي، والأكثر مواراة في "كفر ناحوم" هي محاكمة الإله، والدين. فليست مصادفة أن الصلبان تظهر بكثرة في الفيلم، ويتم التركيز عليهم في كادرات محددة وحدها سواءًا وهي معلقة في وسط كفر ناحوم أو علي صدر رحيل. ومن المشاهد المميزة هو مشهد فريق ترانيم يبدو عليه الوجاهة قادم من الكنيسة ليرنم مع المساجين أمام الزنازين. والمشهد يبدو عميقًا فقد يحمل إسقاطًا علي سطحية رؤية رجال الدين لدورهم وواجبهم لتخفيف الألم، وحياتهم بعيدًا عن الألم الحقيقي. ولكن المحاكمة هنا ليست لرجال الدين فقط فهي تمتد بعمق للإله. فكما يحاكم زين والديه علي أنهما جلباه لهذا العالم، ووسط هذا الألم، وتخلوا بلا مسؤولية عنهم، توجد رسالة محاكمة عميقة للإله الذي جلب بشرًا مثل زين، ورحيل في هذا العالم وسط ألم، وعذاب، وتخلي عنهم. وكما يتحدي الفيلم فكرة سلطة الوالدين وحقهما المطلق في إنجاب أبنائهما في هذا العالم يتحدي أيضًا فكرة سلطة الإله المطلقة التي لا تحتمل المحاكمة في خلق البشر وسط الألم والشر. الفيلم في أعمق رسائله يطرح السؤال الفلسفي الأصعب في فلسفة الدين "مشكلة الألم، والشر".

                


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك