أتعلموا حاجة عشان ماتتخرجوش فاضين!"

438


يا دكتورة:لاأريد أن أزج بكي في صراعات أنتي في غنى عنها، ولا أقصد أيضاً أن أشيح وجهي عن سلطتك القاصرة وقلة حيلتك، ولا أطالبك بأن تتحولي من أكاديمية تَدرس وتُدرس الفلسفة لطلاب المفروض أنهم جامعيون إلى معلمة مرحلة أبتدائية كل هدفها هو العمل على تكوين شخصية الطفل بصورة تجعله قادر على الأختيار بحرية وتحمل نتيجة أختياراته أوالتنقيب عن مواطن مهاراته لكي تشدي أزره في عمله على تنيمتها أوترسيخ القيم الإنسانية في فؤاد ووجدان طفل في مستهل حياته الدراسية، ولكن المساحة التي تركتيها لي في الحديث معكي والتي لم تأتِ بصورة صريحة منكي بل جاءت بإبتسامتك الناصعة -المفعمة بالود- التي لاتدع ثمة شك في دلالتها على حقيقة المقصود (السماح لي بهذه المساحة)؛ هي التي دفعتني إلى تسطير هذه السطور التي بكل تأكيد ستكون أكثر وضوحاً من أفكاري التي تتشرذم وزلاقة لساني التي ترزح عند الحديث معكي تحت وطأة الخجل.  

ما زلت سيدتي أتذكر جملتك الأثيرة التي قولتيها في إحدى محاضراتك (أتعلموا حاجة عشان ماتتخرجوش فاضين) لن يستطيع أحد أن يعرف قيمة الجملة جيداً دون أن يسبر أغوارها، فهذه الجملة تطرح المبادئ المجتمعية الرائجة والمرسخة في ألباب أغلبية الطلاب أرضاً، فالعلم لأجل العلم وليس لأجل الوظيفة أو الأمتحان للحصول على درجات مرتفعة، أعلم أن الأمتحان ما هو إلا وسيلة للإختبار وهذا هو المفهوم الصحيح له، ولكن هذا المفهوم أختل مثلما أختل ميزان الأخلاق في مجتمعنا، معذرة إذا تطرقت لجوانب أخرى تبعد عن الفكرة الرئيسية، ولكن كما تعلمين، فجميع الأمور التي أريد التشابك معها هنا منفذه على بعضها البعض، فلن أستطيع أن أقول كل ما عندي دون أن أتحرر من وطأة التقيد في التشابك مع فكرة واحدة؛ لأن هذه الفكرة (العلم لأجل الوظيفة أو الأمتحان) أسست على أفكار قديمة ويبنى عليها أفكار جديدة.  


قطعاً الظروف الأقتصادية والفكرة (الغبية) المعروفة بالمكانة أجتماعية لهما نصيب في تشكيل قناعة الطلاب التي تجعل من العلم وسيلة للوصول إلى وظيفة تكون محل أحترام من قبل المجتمع، وهذا ما يتضح من الأفكار التي كانت تُشرب لنا آناء الليل وأطراف النهار من قبل المحيط الذي نحيا فيها؛ فبكل صراحة حاولت أنا ألتمس أعذاراً للمحيطين الأسري والمدرسي، قبل ما ألقي اللوم الذي سيكون شديد الوطأة، ولكني لم أستطع، لأنهما من الأسباب الجوهرية في ما آل إليه وضع التعليم في مصر، فهما جزء من فساد مجتمع، هما اللذين لم يتورعوا للحظة عن محاولتهم لتنميط أجيال، هما اللذين قتلوا الأبداع في نفوسهم، هما اللذين فرضوا دروب  وقرورا بحكم بات أن من لا يسير فيها سيكون موصوم بالفشل الذريع، وكأنهم أستعبدوهم، بل والأنكى أن هذا الهُراء الغث يتوارث من جيل إلى جيل، فأكاد أجزم أن الناجين من (ماكينة) التنميط من أبناء جيلي لا يوجد تناسب بينهم وبين المتعقلين بالعقلية القطيعية. 


فمما لاشك فيه أن الظروف الأقتصادية المضنية التي يبزغ أقراني من الطلاب من كنفها هي التي تشكل وجهة نظرهم، فمن طبيعي أن من عاش تحت نير الفقر طويلاً سيجعله أشد المتيمين بمبدأ الفيلسوف مكيافيلي(الغاية تبرر الوسيلة)، فبالتالي العلم بالنسة له ما هو إلى وسيلة لكي يحصل على شئ آخر أياً كان هذا الشئ سواء أكان مالاً أو سلطة أو أحترام زائف من مجتمع أفراده –أغلبيتهم- يدعوا أنهم أصحاب قيم النبيلة، وعندما نصارحهم بحقيقتهم يتم الرد علينا بحزمة من الأتهامات التي يكون حدها الأدنى هو أتهامنا بالصفاقة.


 فإن كانت الظروف الأقتصادية المتردية عامل لا يختلف عليه أحد فإن هناك فكرة أخرى جوهرية تداهمني من وقت لآخر ومع الوقت بت مؤمناً بها وهي هل يوجد شئ أسمه مكانة أجتماعية؟ ولو أفترضنا وجود مثل هذا المصطلح ماهو ماهيته؟، في مجتمعنا يُعرف صاحب المكانة الأجتماعية بأنه هو الشخص الذي يمتلك سلطة أو مال بغض النظر عن قيمة الشئ الذي يقدمه، قد تقولين ليّ كيف؟ أليس الضابط -على سبيل المثال- الذي يتمتع في وجهة نظر المجتمع بمكانة أجتماعية يقدم عملاً ذا قيمة؟ ففي الغالب إجابتي ستكون كالآتي: بالله عليكي هل يعقل أن يجوب أهالي متقدمي الكليات العسكرية بقاع الأرض للحصول على وسطة تزكي أبنائهم، بل أن الأمر في بعض الأحيان يصل إلى حد دفع رشاوي لكي يضحي أبنائهم بدمائهم في سبيل الوطن دون أن تسيطر عليهم هذه الفكرة اللعينة. 


طب إذا لم تكن هذه الفكرة مهيمنة على عقولهم هل يعقل أن يجتمع الكافة من أهالي ومدرسين على مقولة واحدة (اللي مش هيخش طب ولا هندسة ولا كليات عسكرية يعتبر مدخلش كليات) دون أن تسيطر على أذهانهم هذه الفكرة دون أن يعبأوا بميول أبنائهم، هل يعقل أن يورث الأكاديميون كراسيهم إلى أبنائهم دون أن تسيطر عليهم هذه الفكرة. هنا قد تقاطعيني وتقولي ليّ: بالنسبة لهذه النقطة فكل أكاديمي له كامل الحرية في أن يدخل أبنه ما يشاء بل أن أبنه أيضاً له الحق في أن يدرس ما يشاء، سأقول لكي أن مزاعمك على قدر كبير من الوجاهة، ولكن يا عزيزتي لو أفترضنا أن هذا الأكاديمي هو ملاك وأن جميع موظفي الجامعة التي يعمل فيها على غراره، وأنهم مهنيون إلى أقصى درجة ممكنة لدرجة تدحض أحتمالية وجود ثمة محاباة لأبنائهم، وأن أبنائهم أيضاً على غرارهم وغرار موظفي الجامعة؛ لم يريدوا اللحاق إلى الكلية أو الجامعة التي يعمل فيها ذويهم لأجل ضمان مقعد أكاديمي أو وجود ظهر لهم حتى لا يتم ضربهم على بطونهم كما يحدث مع الطلاب الآخرين – ولاد الغلابة- فأنهم بذلك في الغالب سيكونوا منمطين أي أنهم يتأسوا بأبائهم، فالخطورة هنا هي أعمق من فكرة المحسوبية بل تتعلق بذات الفكرة الرجعية وتعضيد لإدعاءاتي. 


ومن ناحية أخرى فأن الحديث في هذه النقطة يطرح تساؤل وجيه على جميع المتعقلين بالعقلية القطيعية (هل أنت أنت؟) هذا التساؤل طرحه أحد أصدقائي منذ سنوات، ولم أعرف مدى عمقه إلا بعدما أثير في ذهني تلقائياً لما شاهدته عبر السنوات الماضية، لدرجة جعلتني أطرحه على مشروع مستشار في مجلس الدولة (حاصل على شهادة الدكتوراة في القانون)، حيث انه قال نصاً أنه يتمنى أن يرى جميع تلاميذه في الهيئات القضائية فعندما قولت له لو أفترضنا تحقق هذه الأمنية التي يرددها جميع الأكاديمين والأكاديميات والتي يصبو إليه السواد الأعظم من الطلاب والطالبات في كليات الحقوق في مصر، فمن الذي سيشغل الكفة الأخرى في ميزان العدالة، أي بعبارة أخرى عندما يكون جميع طلبة الحقوق في النيابة العامة التي تعتبرجهة أتهام وهدفها الأساسي تكيف النص العقابي على المتهمين فمن الذي سيدرء عن المتهمين هذه الأتهامات؟ فكانت إجابته موتورة ومتوترة إلى حد كبير، وهذا ما تبين في رده: (أبدأ أبداً أنا لا أقصد إهانة المحامين ولكن كل ما في الأمر أنك ترى أن وظائف الهيئات القضائية هي الأفضل في وجهة نظر المجتمع لذا فهذه الأفضلية وقفت حائل بيني وبين تحقيق رغبتي في ممارسة مهنة المحاماة) كانت هذه الإجابة كفيلة من أطرح عليه هذا التساؤل أنت من؟ هل أنت نفسك أم أن شخصيتك مُحاكة بأنامل المجتمع؟. 


فإن كان هذا الموقف يؤكد مزاعمي فإن هناك موقف أخر يعضد توارث هذه الأفكار الرجعية من جيل إلى جيل يتلخص هذا الموقف في قيام طالبة من الطالبات في الإجابة على أحد الأكاديمين الذي طرح أحد الأسئلة والذي لم يتوان عن الإشادة بها على أثر إجابتها مع توقعه بمستقبل مشرق لها كمحامية فكان ردها عليه: (أنها لا تحب المحامين بل تحب العمل في الهيئات القضائية).


بالطبع هي الأخرى لم تكن وجهة نظرها هذه نتاج قريحتها بل أنها ترى في مجتمعنا (اللطيف) أن العبرة ليست بقيمة العمل، ولاتحدس كنه المهنة جيداً، ولكن العبرة بمميزات الوظيفة التي ترصع بها من جهة والمكانة الأجتماعية الزائفة التي لا أعرف ماهيتها من جهة أخرى وإن كان عرفها ليّ أحد الزملاء المتعقلين بالعقلية القطيعية في صورة سؤال طرحه عليّ؛ هل تفضل الناس تحترمك لحبها لك أم تحترمك لأنها تهابك؟ فالمهابة هنا المقصود بها أنك تكون صاحب سلطة بعيداً عن قيمة ما نقدمه!


فيا سيدتي: في مجتمع المال والسلطة تم تفريغ المهن جميعاً من جوهرها الإنساني فهنا مهنة إنسانية بحتة مثل مهنة الطب باتت أداة للظفر بالأموال من ناحية وتشرنق صاحبها بالمكانة الأجتماعية اللهم إلا بعض الأطباء الذين يمارسونها كمهنة إنسانية بحتة، واللهث وراء الوظائف في الهيئات القضائية ليس تلبية للإعلان الذي يشترط الكفاءة والصلاحية في المتقدمين بل لأجل المميزات المعنوية والمادية التي تسفر عن النجاح في أقتناص هذه الوظائف، وهذا يؤكده كل من يواجه نفسه في مرآتها، وعلى شاكلة ذلك مهنة مثل المحاماة باتت أداة للتحايل والألتفاف ولإرهاب الناس في الريف نظراً للمعرفة القانونية المحدودة لأهله، ولا يثبت ذلك أكثر من قول إحدى الأكاديميات بصورة ضمنية بأننا إذا أردنا أن نكون أصحاب شأن (كطلاب للقانون)، ينبغي علينا أن نقتفي آثار محامي رئيس قاتل وجاسوس مصري، دون أن تسلط الضوء على من جعلوا مهنة المحاماة رسالة  للدفاع عن حقوق الإنسان.  


هذه هي القناعة التي يحاولون ترسيخها في عقولنا إذا أردت أن تكون صاحب شأن عليك باللهث وراء السلطة أو السعي الدءوب للحصول على الأموال، ولايهم قيمة الشئ الذي تقدمه. 

 

لذا فتحول كليات العلوم الإنسانية إلى باحة لأجل الحصول على شهادة يتم إدراج صاحبها في عداد حاملي المؤهلات العليا دون الأعتداد بقيمة العلم أو مدى حصيلة الأستفادة من الدراسةهو نتيجة حتمية لهذه القناعات ولا أجد ثمة غضاضة في الإشارة إلى أن شهادات العالمِية أضحت هي الأخرى تستخدم للوجاهة الأجتماعية من ناحية ولتنميق السيرة الذاتية من ناحية أخرى أي من منطق (الدكتور راح والدكتور جه).


أعلم أني تفججت في إلقاء الأتهامات على خلق الله بل ودخلت في بواعثهم ولكن هذه الحقيقة المستقاة من الحياة الجامعية والتي تفضحها القرائن التي تنبلج من تصرفات الأشخاص المنوطة بيهم هذه الإدعاءات، والتي قد تكون محض ترهات، ولكن حتى يثبت لي عكس ما أرتأيه لابد من إخبارك أن الأكاديمين والأكاديميات مسؤوليتهم إزاء التدهور لا تقل جسامة، فجميعكم جزء من هذه المنظومة وكثير منكم ثار على هذه القيم الرجعية في مستهل حياته المهنية ثم تطبع بعد ذلك بالطباع السائدة حتى تسير الحياة من ناحية ويحول هذا التطبع بينه وبين المشاكل التي قد تفقده كرسيه الأكاديمي من ناحية أخرى. 


أرجوكي لا تقولي لي كما قولتي سابقاً وكما قال لي أحد المسؤولين في الجامعة التي أدرس فيها (إذا أردت أن تغير ما لايستقيم مع قناعاتك ينبغي عليك أن تتبوأ المناصب ثم تقوم بالتغير من خلال منصبك) هذا الرأي ماهو إلا محض هراء لأني عندما أصل إلى هذا المنصب سأكون تطبعت بالطباع السائدة وضربت بقناعاتي عرض الحائط حفاظاً على منصبي كما فعل الكثير منكم سابقاً. 


فيا أستاذتي العزيزة: بأسف على التطاول الذي قد يستشف من هذه السطور، وأيضاً على قفزي من فكرة لأخرى ومن موقف لآخر بطريقة مكوكية،وعلى تخميني لردك في أكثر مناسبة، وتحياتي لكي ولأقرانك المنمطين والمنمطات الذين هم في سبات عميق.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك