أرض الغرباء - النهاية

389

بدأ الليل ينسكب على أرض الغرباء وما أدراك ما ليل الغريب، ذلك الليل الذى تطفو فيه على نفسك جميع أحزانك وتتلاحم فيه جميع إخفقاتك وهزائمك ومشاعر الخذلان التى أصابتك لتشعر بالضعف والوحدة فى هذا العالم وتتألم لوحشته لتعيد السؤال على نفسك لما أنا هنا؟ 

" دلف المساء والحزن يولد فى المساء لأنه حزن ضرير ..حزن طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم " الحزن – صلاح عبدالصبور

عندما بدأ الغرباء فى التجمع ليلاً وبدأ أصغرهم فى الحديث عن غربته وكيفية وصوله إلى أرض الغرباء عن طريق فشله، فشله فى العمل،الدراسة،الحب،وفشله الأكبر فى التعايش، تكمن الأزمة الحقيقية فى التعايش فقد فشل فى  التعايش مع من كانوا حوله وفشل فى التعايش مع الغرباء لم يستطع التخلى عن مشاعره ولم يكن قوياً لتحمل مشاعر الاَخرين السلبية والمحبطة له، رأى فى نفسه الشخص المضحى الذى يعطى للاَخرين ولا يتلقى منهم سوى الخذلان والنكران، لم تعجبه هذه الصورة فقد بدا لنفسه ضعيفاً لم تكن هذه الصورة المثالية فى وجهة نظره للحياة، فبدأ فى التحول إلى أن يكون متلقى ولا يعطى يأخذ إحتياجاته ممن حوله ولا يعطيهم غير ما يريد هو ان يعطيهم وسرعان ما راوده شعور الإحتقار لنفسه كونه أنانياً فهذه الحياة والمجتمعات خلقت للعطاء لا للأنانية، ذهب إلى الغرباء ظناً أنه سيستريح هناك فلا مشاعر لا عطاء ولاتلقى لا أكثر من أنك تعيش منفرداً وسط الجميع ، هذه أيضاً حياة لم يريدها فالإنسان لا يستطيع العيش دون مشاعر، فالوحدة قاتلة يسعى الإنسان طول عمره للهروب منها ،إذا تمكنت منه قتلته.

" إن ألمنا الكبير فى الحياة يأتى من كوننا وحيدين للأبد وكل أعمالنا لا تصب سوى على تبديد هذه الحياة" الروائى الفرنسي غى دى موباسان 

أخذ كبيرهم فى الحديث عن جدوى هذه الحياة، دائما ما يرتبط تفكيرك فى جدوى الحياة والتأمل بها وبقصص الاخرين بالشعور بالألم، ذلك الشعور القاسى على النفس البشرية إما أن يميتك أو يدفعك للأمام أو يغيرك لشخص اَخر، إن الإنسان يتغير بتغير الأوضاع والأسباب ومن حوله، فقصة حبك الفاشلة وأبوه قاسية وأخوة زائفة وصداقة خذلتك كل هذا يغير الإنسان، كل بصمة من بصمات الحياة تترك مع ألمها علامة لن تنساها وكلما أتسع الألم كلما كان الاَثر والعلامة اكبر والتغيير أكثر. أما إذا كنت فى لحظة سعادة فلا تفكير فى الحياة ولا تأمل بها، فالسعادة لحظة لا يجب أن نبحث عن مؤرقات لها أما الحزن فوقته يتسع للتأمل وألمه يدفعك لإستحضار أوجاع الماضى.

"أيا كان ما قررت تركه بالمنطق ، لاتعد إليه مهزوما بالعاطفة أيا كان" فرويد

وعن باقى الغرباء فهناك من تركته حبيبته ولم يترك حبها قلبه، ومن أضاع من عمره الكثير حول صداقة ذائفة، ومن شاب على أبوة قاسية، ومن فشل فى زواج ، ومن ظلمه أحدهم، ومن أهمله أخوته،... ما هذه الدنيا القاسية لقد تزاحمت المشاعر المؤلمة وهاجمتهم حتى تغربوا هرباً من الاَم هذه المشاعر ،تحملوا أوجاع الغربة بما تحويه من قسوة أشد من قسوة المشاعر المحزنة ، فأصبحوا وأمسوا فى الليل (ليل الغرباء).

"فكم توالى الليل بعد النهار وطال بالأنجم هذا المدار فامش الهوينا إن هذا الثرى من أعين ساحرات الإحورا"   عمر الخيام 

فى الحقيقة أن هذا المشهد مهترأ أكثر من اللازم، الحياة ليست بهذا السوء ولا انت بهذا الضعف، إذا أمعنت النظر فى أرض الغرباء وهى واسعة ستجد هناك كل شخص ومن تسبب فى مجيئه لها، فكلنا شرير فى قصة ما ، أنت تذهب إلى هناك عندما تشعر بالخيبة والحسرة من شخص ولكنك على جانب اخر تسببت لأحدهم بذات الشعور.

"أريدك أن تحبنى حين أكون اسوأ من العادة لأن الجميع يحبنى عندما أكون فى مزاج جيد ، أنا احمق بقلب دون عقل وأنتم حمقى بعقل دون قلب وجميعنا تعساء وجميعنا يعانى"  ديستوفسكى الأبله

الغرباء أرض الحزن التى يرضى فيها الشخص ذاته يستقوى بضعفه على الأنا العليا له يجعل نفسه مظلوماً، يرى أن لا أحد يريده او يشعر به، كلنا نذهب إلى الغرباء كلما خُذلنا وفشلنا ، نذهب و نُذهب اَخرين أيضاً. 

"تتطلب منى الحياة نسيانك .... وهذا ما لا يتسطيع قلبى تفهمه " محمود درويش 

حتى لاتذهب للغرباء كن متسامحاً مع ذاتك ومع عيوبك ، أنت القوى والضعيف،الأنانى والغيرى،المهتم واللامبالى، العادل والظالم لديك جميع الصفات البشرية ، أفعل ما تريد ولكن دون أن تتسب بأذى لأحد،حافظ على مشاعر الاخرين ، أعطى من تحب المشاعر والأهتمام والصدق ولا تنتظر منه حتماً ستتلقى ربما من اَخرين ، سامح وأعفو وألتمس الأعذار ، إذا رفضك شخص وبخل عليك أتركه ولكن ببطء دعه يجعل روحك هى من ترفضه فالأرواح لاتعود لمن ترفضه، عاتبوا بعضكم فالعتاب محبة وإذا تركت أحدهم لا تعود إليه، الحياة ليست سعيدة ولاحزينة أنت ومن حولك من يصنع ذلك. "إن كنت تحمل فى قلبك عتبا صارحنى به كى لا يصبح بيننا فراغ يعبر منه الاخرون" شكسبير



كلنا فى أرض الغرباء عندما نريد أن نشعر بلذة أن نكون مظلومين، إن معيار الظلم ليس فى أن الشخص يحمل صفات خير أو شر فكلاهما نحملهم ولكن فى أن تزيد صفات الشر والأنانية إلى الحد الذى يسبب ضرر للاَخرين عندها يجب أن تتوقف لتحل المشكلة لأنها ستفقدك الكثير وربما تفُقد أنت أيضاً.

فقط تأمل فى الحياة وأنظر فى قصتك وضع لها خاتمة تليق بك ,,,,

 "الغربة هى أن تفقد حديث من تحب" غسان كنفانى

أنتهت ,,


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك