اثراء الروح..الصدمة المرتدة

492

تسائلت ابنتي اليافعة عن ذلك الجد الوسيم -أو «جدو الأموريا بابا» .. على حد تعبيرها- الذي يبكيه الناس طوال هذا اليوم الحار ويتحسرون على رحيله بهذا القدر. فأخبرتها أنه ممثل عالمي مشهور ( زي عمر الشريف كده يا أسيل )  فأردفت: «عالمي؟  مش عمر الشريف ده بتاع حسن ومرقص يا بابا» ؟


وهنا انهار غلاف الشمع البارد الذي أغلف به كلامي عادة عندما أتحدث عن شيء مفروغ منه ولا حاجة لإثباته ، واستبدلت ذلك  بارتفاع مفاجيء في درجة حرارتي مع بعض الملامح المتجعدة وأنا أرد متجهماً : «مرقص مين يابنتي ! .. قد إيه انتو مساكين وجيلكم جيل مسكين».


قمت على الفور بإعلان حالة الطواريء في المنزل ، ودعوت الجميع للجلوس أمام الشاشة لنمارس نوعاً من إثراء الروح وتغذية الوجدان .. وقررت أفرجهم على فيلم «جنكيز خان» و فيلم «لورانس العرب» عشان بنتي تشوف جدو «جميل راتب» اللي الناس بتعيط عليه وعمو «عمر الشريف» وهما بيمثلوا إن إنجلش 💕


ومع إني حافظ الفيلمين من كتر ما شوفتهم زمان يعني ، لكن لأ لأ .. كمية الفن اللي في الأفلام دي أغزر من ان الواحد يعرف يستوعبها في مشاهدة واحدة ...


المهم أقنعت بنتي أثناء المشاهدة انه زمان كان عادي جداً ان الانسان المصري يعرف يتكلم لغات بطلاقة ويشتغل مع الأوروبيين والأمريكان ويبهرهم ويتفوق عليهم ويبقى عالمي بالتعليم الحكومي العادي من غير مدارس انترناشونال زي اللي هي فيها .. بس قول للزمان انت فين يا زمان بقى !


لكن للأسف بعد ما اتفرجت و بدلاً من حكاية إثراء الروح دي .... اتقهرت على عظمة الناس دي وحسيت ان (اي شمعة منورة بتخش مصر بتنطفي على طول) لما مر قدام عيني شريط اللي حصل للهرمين دول بعد ما رجعوا مصر وحاولوا يوجدوا لأنفسهم مكان فيها ، وطبعاً مالاقوش .. ولقيت عقلي بيطرح لفتتين سنيمائيتين مهمين فرضوا نفسهم على الشريط اللي شغال جوه راسي ...


١- رغم مهارات الفروسية وركوب الخيل الرهيبة اللي عندهم واللي معبية مشاهد الفيلمين بغزارة وملحمية مبهرة ، محدش فيهم قال على نفسه (فارس السنيما) زي ما أحمد السقا قال على نفسه -أو كان فرحان ان الصحافة بتقول عنه كده وكان بيتباهى بده في اللقاءات اللي كانت بتتعمل معاه وقتها-  عشان شبب له حصانين في فيلم شورت.وفانلة.وكاب زمان.


٢- رغم روعة وعمق وتأثير وإبهار واكتساح وانتشار وعالمية الأفلام الضخمة اللي عملوها ورغم الجوائز الدولية الفخمة  اللي كسبوها محدش فيهم أبداً قال على نفسه (نمبر وان) ... زي الشمام التاني ماقال. 


الشريط في راسي وقف فجأة والليلة قفلت على المشهد القاتم ده.


إحنا جيلنا قدره يفضل متحاصر بشوية سطحيين .. مدعيين .. محدودي موهبة .. محدثين نعمة .. يشوهوا وعيه ، ويضيقوا أفقه ، ويقزموا طموحه .

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك