مظلومية حركة 6أبريل !!

921

توجه إلينا التهم كل حين بالعمالة والتخوين وتلقي أموال من الخارج واستخدامها فيما يضر بمصلحة الأمن القومي، هذه الكلمة الفضفاضة التي تتيح للنظام اتهام وتخوين وتشويه من تشاء. منذ العام 2004 كانت بدايه الحراك الشبابي وبحثهم عن مكان يؤمن بهم ويحتوي أفكارهم، بداية من حركة كفاية مرورا بتأسيس شباب من اجل التغيير ليكون الشباب بعيدا عن تحكم كبار السن والمنظرين، وكانت النقطة الفارقة في حياة هؤلاء الشباب السياسية وهي حركة 6 ابريل، هذه المحطة الهامة التي أثرت في اغلب الشباب سواء ليبرالي أو يساري أو إسلامي أو لا ينتمي لأي تيار سياسي، ولكنها كانت محطة وقف العديد فيها واستفاد وتأثر منها برغم المشاكل والصعوبات التى أحاطت بها منذ إعلان تأسيسها والاتهامات التي وجهت إليها واستطاعت استقطاب جزء كبير من الشباب ليكونوا هم النواة التي تحرك كل ما هو ساكن في المجتمع.

ونأتي للبداية التي كانت بدء زخم المشاركة السياسية والمجتمعية ابتداء من الدعوات لإضراب ابريل 2008 وما تبعها من إضرابات ومظاهرات ووقفات واحتجاجات حتى نهاية عام 2014، وكان البعض مننا يؤمن أن هناك من يساندنا ولكن في الخفاء وكنا متأكدين من وجود صراع أجهزة داخل الدولة لفرض وبسط السيطرة بشكل كامل.

ثم كانت الانطلاقة الحقيقية للحركة والدعوة للإضراب والعصيان المدني بالمشاركة مع بعض الأحزاب والقوي السياسية المصرية احتجاجا علي تدهور الحالة المعيشية، وكانت الاستجابة غير متوقعة للنظام الذي تفاجأ بالقدرة علي الحشد والاستجابة الكبيرة، حتي إن معظم الطلبة  امتنعوا عن الذهاب إلي المدارس والجامعات، كما خلت المصالح الحكومية من الموظفين والمواطنين بشكل ملحوظ، وكان تتويج هذا اليوم هو عمال مصانع غزل المحلة الذين اسقطوا صور مبارك، واستطاعوا الصمود أمام قنابل وهراوات الأمن المركزي.

هناك إيمان واعتقاد دائم بالنسبة لحركة 6 ابريل والشباب القائم عليها هي أن لكل الأطياف المجتمعية الموجودة داخل الدولة حق في رسم النظام السياسي العادل وتقرير سلطة الدولة والمشاركة في الحكم وتفعيل دور المجتمع المدني للرقابة علي الدولة ومشاركتها في اتخذ القرارات لكونها الأقرب إلى المواطنين وعلي دراية بما يحقق النفع لهم، ومن هذا النقطة نجد أننا نعيش في ظل استبداد سلطوي يتحول تدريجيا وبخطى منتظمة إلى نظام شمولي ترعاه المصالح والأهواء وتهميش لدور المواطنون الذين يؤمنون بالمشاركة، ووجود تمثيل لهم حتى وان كانوا أقلية.

وما إن فوض الرئيس السابق محمد حسني مبارك السلطة إلى المجلس العسكري في فبراير 2011 بدأت جميع الأطراف في مصر التنازع والسعي والاجتهاد لفرض سيطرتها، ولكنهم أدركوا أنهم إمام قوتين لا يمكن الاستهانة بهم، هما المجلس العسكري الذي في يده مقاليد الحكم الأساسية والرئيسية والفعلية، وبين القوي الإسلامية. فما كان من القوي المدنية إلا البحث إما عن الفصيل الذي يحقق لهم الحد الأدني من التمثيل والمشاركة، إما البحث عن الطرف الأقوى منهم والذي سيكون له السيطرة ومحاولة اغتنام ما يمكن اغتنامه، ولكن كانت حركة 6 ابريل هي الوحيدة التي رات ان للشعب المصري جميعا والشباب الحق في اختيار ممثليهم ومستقبلهم ومستقبل البلاد، وجاءت بعض الحركات السياسية الاخري والأحزاب تحاول القضاء علي الحركة ومؤسسيها والقائمين عليها والمنتمين لها.

ومنذ اكتمال ذلك المشهد حتى بدأنا في البحث عن التوازن بين مشروع الدولة المدنية وبين الحقوق المجتمعية التي نادت بها ثورة 25 يناير، وبناء علي انقسام المشهد النخبوي انتقل التناحر والخلاف إلي الميادين، كل ميدان له من يمثله وما يدعوا إليه. كانت هذه هي نقطة النهاية لمشروع الدولة المدنية وتأسيس لنظام مدني تقوم عليه الدولة في ظل مرحلة حكم وتحكم المجلس العسكري المصري وقيادته لمقاليد الأمور في ظل مرحلة غير متوازنة متوترة، وكانت قراراتهم تحمل الكثير من الأخطاء، ولكنها في رأي البعض حمت مصر من الانهيار ورأي البعض الأخر أنها أرست مزيدا من التوتر والتناحر، ولكن في الحقيقة هي كانت تخطط لاسترداد ما سلب منهم، ورأينا أن القوي الإسلامية علي وفاق مع المجلس العسكري وقراراته. إلي ان جاء بيان المجلس العسكري الذي حمل رقم "بيان 69" وكان فيه هجوم واتهامات صريحة بالتخوين والعمالة إلي حركة 6 ابريل بدون دليل إلي الآن، لإدراكهم أنها المحرك الأساسي للشباب والقوى الثورية، وأصبحت الحركة منذ ذاك الوقت في مواجهة شرسة وعلنية مع القائمين علي الدولة بسبب قدرة الحركة علي الحشد والتحرك أمام قوة وقمع وسلطة الدولة، وكان الرد علي بيان المجلس العسكري رقم "69" يوضح ان للحركة معتقدات راسخة لا يمكن التنازل عنها باي حال من الأحوال، وان الحركة كانت وستظل منفصلة عن اي فصيل سياسي، وان ما يحركها فقط هو إيمانها بمبادئها التي تدعو إلي المشاركة والعدل والحرية والتمثيل الديمقراطي والسياسي. وكانت هذه هي الأزمة فما كان من الدولة وأجهزتها الأمنية الا محاولة اختراق الحركة من الداخل وتقسيمها، ونجحت فيما سعت اليه فتم محاولة إغراء بعض الأشخاص مثل عضو الحركة طارق الخولي وهجومه علي مؤسسي وأعضاء الحركة في مقابل ان يكون هو وحده في الصورة ومكافئته ان يكون ذو قيمة وان يكون علي الساحة الإعلامية والسياسية. فجاءت النتيجة علي غير رضا للشباب الذي شارك في ثورة يناير، لإدراكهم أن هذه الثورة لم تسقط النظام القديم، بل أظهرت إن هناك قوي كانت مستترة طوال عقود في ظل النظام القديم، فكانت المطالب الأساسية تأسيس دولة عادلة ذات نظام مدني، وللأسف لم نستطع الاستقرار علي قواعد ديمقراطية واضحة بفضل تنازع الأطراف علي السلطة، والنخب علي استقطاب من يمكن استقطابهم والضغط بهم علي الأطراف الاخري، ومجموعة من الشباب الذين استغلوا الحراك وهذه المطالب ليفاوضوا بها الأطراف المختلفة.

ثم جاءت مرحلة الرئيس محمد مرسي وتحكم وانفراد جماعته بالسلطة والتشريع، وفي هذه المرحلة ولد دستور جديد مشوه من رحم القوي الإسلامية يؤجج الخلاف بين مفهوم الدين والدولة، ويؤجج الخلاف بين الشباب الداعي إلي دولة مدنية وبين النخب والقوي الحاكمة، وتعاونها مع المجلس العسكري لتقويض الحركات الداعية إلي المشاركة العادلة وتأسيس نظام مدني بعيدا عن سيطرة وتحكم الدين والقوي العسكرية.

فعندما استلم الإخوان المسلمين السلطة من المجلس العسكري  بدا الطرفان بإحصاء خسائرهم وجد الطرفين أنفسهم خسروا كثيرا من أرصدتهم وقوتهم وشعبيتهم ومكانتهم بسبب عاداتهم الفوقية والسلطوية وضعف خبراتهم في التعامل مع التنوع الفكري ومع من يقفون خارج دوائرهم الضيقة، فبدا كل طرف منهم بتهميش الأخر واللعب منفردا. وبالطبع نجح المجلس العسكري المصري في القضاء علي فترة رئاسة وتحكم الإخوان بمقاليد السلطة، بعد أن ناشد المدنين الذين أبعدهم من قبل أن الدولة لن تكون مدنية عادلة في ظل وجود القوي الإسلامية.

استمر هذا الصراع إلي وقت إعلان محمد مرسي الإعلان الدستوري المكمل، ورفض الحركة له ولدعوته للحوار، وقيادة التظاهرات أمام قصر الاتحادية تحت شعار "قاتل..قاتل" بالإشارة الي الرئيس السابق محمد مرسي، قائلة ان استمرار الوضع الحالي يؤدي الي مزيد من الفوضى، وعلي مؤسسة الرئاسة وجماعة الإخوان المسلمين إدراك خطورة الموقف.

وبالفعل لم يدرك صانعوا القرار حقيقة خطورة الموقف، وكان المستفيد الحقيقي هو المجلس العسكري الذي استلم مقاليد الأمور قبل ان يسلمها الي رئيس المحكمة الدستورية المستشار عدلي منصور بعد الدعوة الي تظاهرات 30 يونيو. وقد شاركت حركة 6 ابريل في جمع التوقيعات للنزول يوم 30 يونيو وعقدت موتمر مشترك مع تمرد وقالت ان الحركة ملتزمة الطرق السلمية اللاعنفية التي أبهرت العالم بثورة 25 يناير، كما أدانت شتي أعمال العنف والتخريب والتهميش باسم الثورة، ودعوة الجميع لإعلاء مصلحة الوطن.

ووصل الحال الان بعد انتخاب الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي إلي عدم التفريق بين من يريد التخريب ومن يريد الإصلاح، مجرد تساؤلنا عن مستقبل الديمقراطية في بلادنا، وعن مستقبل علاقة الجيش بالسياسة وبحقوق الإنسان وحق التعبير والمجتمع المدني والأحزاب وحرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير، كان فى حد ذاته جريمة من وجهة نظرهم ومحاولة لهدم الدولة!

إن الجيش المصري في هذا التوقيت فى اقوي لحظاته (بصفته المتحكم السياسي)، لكنه في نفس الوقت بداية لتراجع لصالح المدنيين والمدنية، كما كان التيار الإسلامي في اقوي لحظاته بداية عام 2013 ولكنه بدا في التراجع والاندثار وضعه علي محك ومسار مختلف بداية من 30 يونيو . 

إن فكرة الدولة المدنية الديمقراطية  تزداد حضورا في مصر الآن بفضل شباب لم يسمع بهم احد، بفضل شباب مدني موجود الآن في السجون المصرية تحت دعوي التظاهر وخرق قانونهم للتظاهر. علي الرغم من التفاصيل المؤلمة التي نعيشها الآن والخسائر والمحبوسين والشهداء من كل الأطراف يتغير شكل المجتمع المصري كما لم يتغير أبدا، لقد قطعنا شوطا طويلا منذ ثورة 25 يناير إلي الآن، وأمامنا الكثير لتحقيقه خلال الفترة المقبلة، لأننا قبلنا أن نعيش مخاطر الانتقال العسير إلي الدولة المدنية الديمقراطية التي نريدها.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك