انتخابات 2018 .. فرصة لقيام دولة مدنية

980

لقد تطور الشعب المصري وخصوصا الشباب منهم تطورا يفوق ما تتوقعه الأجهزة الأمنية بمراحل عدة، إن الشباب المصري إستطاع أن يؤمن لنفسه تعليما مستقلا بعيدا عما كانوا يتعلموه في مدارس الدولة، لقد تطور الشباب المصري عن طريق القراءة والإنترنت والأهم عن طريق الممارسات السياسية والاحتجاجيةحتى وان كانت خاطئة وإن كانت تغلبها العاطفة في أحيان كثيرة.الشباب المصري كانوا ولا زالوا إلي الان يسعون إلي التغيير السلمي، ولكن في ظل المحاصرة الأمنية والكبت السياسي وعدم وجود قنوات شرعية و آمنة للممارسة السياسية هو الخطر الأكبر علي الدولة ، علي الدولة أن تعي خطورة عدم التواصل والحوار مع الشباب والسياسيين منهم وأن تعلم جيدا أن التهميش ومصادرة الأراء والحريات بدعوي الأمن سيكون له عواقبه في المستقبل. الرؤية الضبابية الآن فيما يخص الإنتخابات الرئاسية المصرية المزمع عقدها في شهر مايو 2018 وخصوصاً أن هذه الإنتخابات ستكون فارقة وتمثل منعطفاً هاماً في الحياة السياسية المصرية بالنسبة للكثيرين.

وكما جرت العادة وقبل أشهر قليلة من الإنتخابات لا تزال الرؤية غير واضحة وهناك إنقسام وجدل حول هذه الإنتخابات، فهناك فصيل يري عدم المشاركة في هذه الإنتخابات لعدم إعطائها الشرعية المجانية  وعدم وجود مرشح قوي قادر علي المنافسة وأيضا عدم وجود بيئة دستورية وقانونية تضمن نزاهة هذه الإنتخابات. أما الفصيل الأخر فيري ضرورة التوافق علي مرشح واحد ووقوف التيارات المعارضة الراغبة للتغيير خلفه، وإختبار قدرتهم علي تحدي النظام الموجود في الوقت الراهن.

ولكن في كل الأحوال يجب أن نسأل بعض الأسئلة التي بناء على إجاباتها ستتحدد ملامح الإنتخابات المصرية القادمة، السؤال الأهم هل سيفوز الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في الإنتخابات المقبلة إن قرر الترشح؟ الاجابة علي هذا السؤال مرتبط بعدة معايير هامة وهي، الظروف الدولية الراهنة في المنطقة العربية بشكل خاص وعلاقة القوي الإقليمية العربية بالعالم تجعل من الضروري الإبقاء علي النظام الحالي، فهم في حالة تغيير جذري داخل أنظمتهم فمن الضروري الإبقاء علي الصديق والحليف القديم المقرب من كل صانعي القرار العالميين، الذين كانوا ولا يزالوا ينظرون الي مصر علي أنها الحليف المشترك للسلطة الفلسطسينية والفصائل المختلفة والحكومة الإسرائيلية.

السؤال الثاني هل من الممكن أن نرى إنتخابات حرة في ظل أنظمة قمعية  وأن تتحول الدولة من النظام العسكري إلي النظام المدني بسهولة؟  سيقول البعض نعم من الممكن أن ننجح في هذا فهناك العديد من الأمثلة والتجارب المختلفة في العالم التي نجحت خصوصا في أمريكا اللاتينية كالبرازيل تشيلي وغيرهما، بالفعل فالأمثلة قريبة للغاية ففي البرازيل تحديدا في نهاية فترة الثمانينيات، لقد وصل الحال الي هيمنة وسيطرة شاملة من العسكريين لكل النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وكما هو الحال الآن ولكن ما ساعد البرازيل في الانتقال السلمي للسلطة هي الضغوط الدولية ورغبة ملحة من الشعب علي تراجع العسكريين وخروجهم من المشهد السياسي والاقتصادي بشكل تدريجي، وهذا ما حدث بالفعل بعد الإنتقال السلمي وإجراء أول انتخابات حرة ونزيهة فاز فيها الرئيس ميلو، ولكن الفترة السابقة للإنتخابات شهدت تراجعاً مؤقتاً وإنسحاباً تدريجياً من المشهد السياسي وإن ظلوا لفترة قريبين من دوائر صنع القرار السياسي، ولكن في النهاية إنتصرت المدنية.

لا تزال الدولة في أوج قوتها فيما يتعلق بالقمع الأمني والسياسي ومصادرة الحريات الأساسية للمواطنين، وتسخير المنظومة الأمنية لحماية هذا النظام والسيطرة علي المنظومة الدعائية التي ستسخر كل ما هو ممكن لمرشح الدولة، والتضييق علي المرشحين المحتملين، ولكن هذا سيحد من نزاهتها أمام المجتمع الدولي والاقليمي وفي الداخل أيضاً، لذلك يبحث النظام عن وجه قديم ترشح في الإنتخابات قبل الماضية ليكون هو الوجه الذي سيخلق حالة من الشرعية علي الإنتخابات ولو لفترة مؤقتة!

كل الظروف الآن مهيأة لدخول المدنيين الصورة بشكل قوي بعد الفشل الأمني والسياسي والاداء الإقتصادي الرديء الذي لم يشعر به دافعي الضرائب (المواطنون) سوي من تصريحات المسئولين فقط.

إن الجيش المصري في هذا التوقيت فى اقوي لحظاته (بصفته المتحكم السياسي والإقتصادي)، لكنه في نفس الوقت بدابة لتراجع لصالح المدنيين والمدنية، كما كان إعتقاد التيار الإسلامي أنه في اقوي لحظاته بداية عام 2013 ولكنه بدأ في التراجع.

ما يحدث الآن هو إرهاص لدولة مدنية لا نريد أن تخضع لسلطة الجيش السياسية كما في السابق، ولا نريد أن تخضع لأي قوي استبدادية، ولا نريد تحويل الدين إلي أداة قمع، ولا نريد تحويل الجيش المصري إلي حاكم سياسي وترك دوره المنوط به.

إن فكرة الدولة المدنية الديمقراطية  تزداد حضورا في مصر الآن بفضل شباب لم يسمع بهم احد، بفضل شباب مدني موجود الآن في السجون المصرية تحت دعوي الحفاظ علي أمن الدولة المصرية. علي الرغم من التفاصيل المؤلمة التي نعيشها الآن والخسائر والمحبوسين والشهداء من كل الأطراف يتغير شكل المجتمع المصري كما لم يتغير أبدا، لقد قطعنا شوطا طويلا منذ ثورة 25 يناير إلي الآن، وأمامنا الكثير لتحقيقه خلال الفترة المقبلة، لأننا قبلنا أن نعيش مخاطر الانتقال العسير إلي الدولة المدنية الديمقراطية التي نريدها.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك