نظرة واضعي القانون للجمعيات الأهلية .. خطر وشر يجب محاصرته

502

أنا اعتراضي على القانون هو اعتراض على فلسفة واضعي القانون، ونظرتهم للجمعيات الأهلية كخطر وشر يجب محاصرته. ومن تلك النظرة يمكن فهم الفكرة وراء هذا القانون. ويمكن إجمال ردي على طرحته في النقاط التالية:

1) القانون أفرط في وضع العراقيل والصعوبات أمام الجمعيات الأهلية لكي يتم اشهارها أو تمارس عملها، إلا أنه لم يضع أو يوضح أي جزاء على الموظفين لو تعنتوا تجاه الجمعيات. كنت أرى أن هذا القانون باعتباره قانون ينظم أحد الحقوق الدستورية فكان يتعين على واضعيه أن يضعوا الضمانات لتمتع الأفراد بهذا الحق وحمايتهم من توغل الدولة لمصادرة هذا الحق، إلأ أن هذا لم يحدث، فلا يوجد ضمانة لأي شيئ ، وفي هذا الاطار أتذكر موقف شخصي مع أحد موظفي الشئون الاجتماعية في 2010 حينما أتخذ اجراء مخالف للقانون واعترضت عليه فقال لي أنا اللي أنشأت جمعيتك وانا اللي أقولها تعمل إيه ومتعملش إيه، وأنا اللي أقدر أحلها. هذا ليس تصرف فردي، هذه رخصة يعطيها له القانون في ذلك الوقت، لازال القانون الحالي يعطيها له، لكن هذه المرة بقرار من المحكمة، وبالمناسبة في ظل القانون 84 كان من الممكن الطعن على قرار الحل أمام المحكمة. الخلاصة أنه ليس هناك أي وسيلة لمحاسبة مثل هذا الموظف لكن القانون السابق والحالي به 1000 وسيلة لتعطيلي ووضعي تحت رحمته. مع أنه قانون ينظم حق دستوري لي.

2) بالقطع اللجوء إلى القضاء يعتبر ضمانة، وهي دائماً موجودة، سواء في القانون 84 أو القانون 70 أو مشروع القانون الجديد، لكن حضرتك تعلم أن هذا أمر يعطل عمل الجمعية ويضيع عليها الفرص. فعلى سبيل المثال محكمة القضاء الإداري حكمت بأحقية مؤسسة بالحصول على منحة كانت رفضتها جهة الإدارة من 4 سنوات قبل تاريخ الحكم، بالطبع يمكن التخيل عدد الفرص الفائتة على تلك المؤسسة والموظفين الذين تم تسريحهم لانه بالطبع المنحة تم ردها للجهة المانحة. السؤال هنا، هل تم تعويض الجمعية عن هذا؟ هل تم محاسبة الموظف/ة عن هذا الرفض التعسفي؟ هل هناك ما يمنع الموظفين من استسهال الرفض خوفاً من المسئولية في حالة الموافقة على أمر حتى لو كان قانوني؟

3) بخصوص العقوبات المالية والبدنية، في البداية أود أن أوضح أن حتى الغاء الحبس في القانون لا يعني أنه لن يحبس موظف أو مسئول في الجمعية، فلو لم يكن يملك مبلغ الغرامة قطعاً سوف يتم حبسه، وهنا أنا لا أتكلم عن مواد قانون العقوبات واللي أنا شخصياً وزميلاتي وزملائي في المنظمات الحقوقية متهمين بها ومعرضين للسجن المؤبد بسببها. لكن أنا هنا أتحدث عن الغرامة، عدم الوفاء بها يؤدي إلى حبس لمدة ثلاثة أشهر، وليت ينتهي الموضوع عند الحبس، لكن أي أموال تأتي لك أو عقارات ستضع الحكومة يدها عليها. 

لكن دعنا من هذا، فلننظر إلى فلسفة العقاب في هذا القانون، تلك الغرامات تفرض على أفعال هي ليست جرائم من الأساس، فعلى سبيل المثال لماذا أدفع غرامة قد تصل إلى نصف مليون جنيه لمجرد تغيير عنوان الجمعية دون إخطار جهة الإدارة؟ هل تغيير عنوان يعتبر جريمة أصلاً، 

ومبدئياً أنا ضدد أي عقوبات جنائية في قانون الجمعيات، كل تلك الأفعال المعاقب عليها هي مخالفات إدارية، لماذا لا تكون العقوبات إدارية كذلك مثل حرمان من مزايا أو إعفاءات أو حتى عزل مجلس الإدارة، لماذا غرامات مالية وعقوبات جنائية؟!!

4) القانون توسع في الأسباب التي تتيح طلب حل الجمعية، صحيح بأمر قضائي إلا أنه في النهاية القضاء سيجد مبرر الحل في القانون، فعلى سبيل المثال، مال الذي يضير الدولة في أن جمعية نشاطها غير جدي؟ ومن يحدد مسألة الجدية وجدوى نشاط الجمعية، ولماذا أصلاً يتم حل جمعية لسبب كهذا؟

5) مسألة الحوار المجتمعي لا يمكن إنكار حدوثة، وأصدقاء كثيرون حضروا تلك الحوارات، أنا لم أدعى لكن لا أنكر حدوثها، إلى أن الحكم بصوريتها أو جديتها فهذا أمر أخر. فعلى سبيل المثال في لجنة د. أحمد البرعي وحضرتك كنت نائب رئيس الوزراء في ذلك الوقت، كان هناك حرص على جدية الحوارات المجتمعية، فلم يكن الأمر قاصراً على تجميع أراء أصحاب المصلحة وصياغتها وأنتهى الأمر. في ذلك الوقت كان الحوار على نص مكتوب، وتم طرح هذا النص على أطراف متعددة وتم أخذ رأيهم في عين الاعتبار، وتم تعديل هذا النص وطرحة مرة أخيرة على للحوار. ما حدث في هذا القانون حوار صوري، تم أخذ أراء المشاركين والتكتم على نسخة القانون تماماً ثم نفاجئ أنها في مجلس النواب، ثم يتم الموافقة عليه بسرعة الصاروخ، كأن هناك محاولة للتكتم على فضيحة. 

6) في أنا كانت مطالبي هي تطبيق المادة 75 من الدستور التي تنص على أن تأسيس الجمعية بالإخطار وحلها بأمر قضائي، وأن تمارس عملها (بحرية) هنا في القانون لا ينمكن أن تمارس الجمعية عملها بحرية في ظل كل تلك القيود وميل كفة الميزان لصالح جهة الإدارة وعدم حماية الجمعية من أي تعسف ضدها. 

في النهاية أتمنى أن يستمر هذا النقاش ويتعمق أكثر وأكثر، فربما في وقت ما يكون لمثل هذا الكلام مردود على التشريعات التي سيتم سنها، حتماً ليس الأن إلا أني لم أفقد الأمل بعد في أن هذه اللحظة ستأتي. 

كل التقدير لحضرتك وشكراً لردك مرة أخرى

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك