أرض الغرباء

224

منذ أن تبصر الإنسان على هذه الدنيا وهو يسعى للحصول على إجابة ومعرفة من أين أتيت وإلى أين النهاية؟ ولماذا؟ ما هذه الدنيا ومن هؤلاء البشر ؟ والحقيقة أن هذه الأسئلة نابعة من الخوف من المجهول ومن الغاية والنهاية، والحقيقة أنه لاحقيقة، لن تجد إجابة واحدة متفق عليها فلكل منا عالمه ومجتمعه ودنياه وتجربته، نحن فى حياة ندرك ما فيها ونراه ونتأمل فيه لمن أراد التأمل، وإلى جوارنا بشر مثلنا عهدنا إلى تقسيمهم أقارب وأصدقاء ومعارف ومجهولين.

" مازلت أبحث عن شئ حين ضاع ....ضيعنى" محمود درويش

تبدأ الرحلة لقد نما عقلك وأصبحت تدرك وعندما تدرك وتعقل تبدأ رحلتك فلا رحلة لغائب أو مغيب ، أذهب وتفاعل مع هؤلاء البشر، تبدأ رحلتك وأنت مفعم بالحياة والحياة هنا يشار إليها بالحب والجنون والطاقة والتجدد والرغبة فى النجاح والشغف وإسعاد الاخرين ... لسرعان ما تبدأ بالإنخفاض التدريجى للحياة فتفقد الجنون ثم التجدد ثم الرغبة فى النجاح فماذا عساى أن أفعل أكثر من ذلك وما الجدوى ؟ وتبدأ فى الإعتياد والتأقلم لم يتبقى لك سوى إسعاد الناس والحب، أما عن الناس وسعادتهم فهو أمر لا يمكن أن تقوم به لأن إسعاد الناس هو امر شاق فيه من الإستنزاف الروحى ما يكفى لإنهاءك دون مقابل، فتقدها أيضاً أما عن الشغف وما أدراك بفقدان الشغف ففيه موت للقلب وهو المرحلة الأخطر فإذا لم تجد من يعيده إليك فأستعد للذهاب إلى الغرباء ،ولا يبقي لديك إلا الحب سر الحياة وأساسها هذا الشئ الذى تعددت تعريفاته ولا أرى فيه غير  أنه هو "إرتياح وسعادة مع إشباع حاجة روحية " وتلك الحاجة مختلفة من شخص لاخر قد تكون شعور بالأمان أو الحنان أو المشاركة أو التقدير والأهتمام ... الخ ، فالإنسان دائماً فى إحتياج عاطفى مهما بلغت درجة عطائه أحياناً يريد أن يتلقى أن يستقبل تطمينات،أمان،تقدير...

"ومن أين للحساس قلب يريحه ومن أين للقلب الغبى غرام ؟" الحلاج

وسط الرحلة لقد وصلت فى منتصف الرحلة سقط من شجرة عمرك الكثير من الأوراق ، ماذا فعلت ؟ هل انت سعيد؟ هل تعثرت؟ هل تريد الأستمرار ؟ إلى متى؟ 

يقول أبو العلاء المعرى " تعب كلها هذه الحياة ، فما أعجب إلا من راغب فى ازدياد"

سعادة الحياة فى الحب والحرية هل تقابلت مع أحبة وماذا حدث ؟ لا بأس من قليل من الحزن فلا حياة سعيدة للأبد ،بل لا حياة سعيدة فى الأساس .

هل تعلم ما هى اسوأ المشاعر التى تقودك إلى الذهاب إلى أرض الغرباء ؟ الخذلان أن يضيع عمرك فى حب أشخاص ومساعدتهم وفجأه لا تجدهم وكأن ما كان ما هو إلا أنه تم إستغلالك منهم دون أن يحملوا لك مشاعر ، الوحدة حولك الكثير ولم يستطع أحدهم أن يختطفك منك لم تجد مع أحدهم الأمان لم تجد منهم من يريد أن يسعدك دون مقابل غير أنه يحبك، الفقدان فقدان نفسك تتوه منك فقدان النفس اسوأ فقدان .

" عار علي البشرية أن ينتحر أحدهم وقد كان فى حاجة إلى عناق طويل " ألبير كامو

سأخبرك يا سيدى بشئ ، فى هذه الحياة نوعان من البشر أحدهما يعطى والاخر يتلقى، إذا كنت متلقى فهنيئاً لك بسعادة غير دائمة لأنك حتماً ستصادف من هو مثلك وإذا كنت معطاء فأنت بائس هنيئاً لك أيضاً لأنك تتعذب بجمال نفسك فأنت تعانى فى هذه الحياة ولا حياة دون معاناه" المعاناه هى التجربة وهى ما يتولد عنها الشخصية" ، فالمتلقى لا يبالى يرغب فى المزيد ويرى فى عطائك ضعف وواجب وأنك لن تكف عن العطاء وأنت فى حاجة إلى أن تتلقى أيضاً أنت لا تسعى له ولكنك فى احتياج له ( كما ذكرنا كل إنسان فى احتياج) والأحتياج الإنسانى ليس مادى ولا نفعى هو إحتياج روحى ضرورى لإستمراره وإلا تحول وسافر إلى بلد الأغراب تلك البلدان التى لا يعرف يها أحد الاخر ولا يهتم بمعرفته يتحول فيها الأنسان إلى ماكينة لا مشاعر لا حب لا سعادة لا يوجد غير القسوة وعدم المبالاه والرغبة فى الأستمرار .

"لا أبغض العالم الذي أعيش فيه ولكن أشعر بأننى متضامن من الذين يتعذبون فيه... إن مهمتى ليست أن أغير العالم فأنا لم أعط من الفضائل ما يسمح لى ببلوغ هذه الغاية، ولكننى أحاول أن أدافع عن بعض القيم، التى بدونها تصبح الحياة غير جديرة بأن نحياها ويصبح الإنسان غير جدير بالإحترام".  ألير كامو

نهاية الرحلة ولما كان الأنسان خلق على الحب والمشاعر والعطاء وغيرها من مقومات الحياة إلا أن أصطدامه بمواقف يعجز فيها عن المقاومة ولا يستطيع الأستمرار فتكثر عليه تلك الصدمات إلا أن يألفها ويتحول معها لتذهب به إلى بلد الأغراب ، ولكنه لا يسافر إلى الأغراب كما هو فالولوج إلى أرض الأغراب غير، لم يعد إنسان فقد تبلد قرر أن لا يشعر حتى لا يتألم لا يعطى أصبح أنانياً يتلقى فقط يسخر ويتلاعب بالاخرين من أجل ذاته فقد نفسه كمن أفقدوه أياها يعيش فى غير زمانه ومكانه ،لقد مات يسير شبح جسد بلا روح .

" الشخص السوى يعانى من العزلة فى المجتمع غير السوى،وقد يؤدى عجزه عن التواصل إلى إمراضه نفسياً، فالمجتمع المريض لا يتسامح مع الأصحاء"   إريك فروم

هل هناك الكثير فى أرض الغرباء ؟ هم لا يهتمون بالعدد ولا يهتمون بأى شئ هم يهتمون فقط بأن يميتوا قلوبهم هناك بألا يتألموا وأن يبقوا بعيداً عن من سببوا لهم ألماً الذى حينما أعطوهم تم إتهامهم بالضعف وتسيدوا عليهم وأستغلوهم وما كانوا  فى الحقيقة إلا سادتهم ولكن الحب أضعفهم وأماتهم . يقول على بن أبى طالب " إن الله يقذف الحب فى قلوبنا، فلا تسأل محب ...لماذا أحببت". هل ستظل تعانى بحبك أم تذهب للغرباء فى أرضهم ؟.

يستكمل,,

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك