الإنتحار: آخر أبواب اليأس التي نطرقها ونسكنها إلى الأبد

485

انتشرت في الآونة الأخيرة صوراً ومقاطع فيديو لمنتحرين علناً في الشوارع وعلى مواقع التواصل، بعدما كان الإنتحار عاراً اجتماعياً يلاحق صاحبه، أصبح احتجاجاً رسمياً على أوضاع لا يرضاها الجميع، ولا يملكون القرار لتغييرها، فينسحبون أمام الجميع، برسالة وداع أخير. 

لكن الجدل الدائر حالياً حول أسباب الإنتحار وشروطه، وحتى بعض الشخصيات، التي تحاول إضفاء طابعاً ميلودرامياً لنهاية حياتها، هي سلاح ذو حدين، يمكن أن تفقد الحدث الجلل هيبته في نفوس الجميع، وبدل أن يدق ناقوس الخطر المجتمعي حول ظاهرة بتلك القسوة، يصبح الأمر اعتيادياً ولا نجد في نفوسنا حرجاً من سماع خبر انتحار أحدهم، وهي حيلة دفاعية يستخدمها العقل دفاعاً عن نفسه ضد الصدمات، وأقرب مثال على ذلك هو الشعب الياباني وإرثه الثقافي الإنتحاري الذي يفخرون به كدليل على تحمل المسؤلية والإنسحاب من حياة الآخرين بدلاً من جلب العار لهم. 

فيما تطالعنا الأخبار يوماً تلو الآخر بمقاطع فيديو لسيدات يلقينّ بأنفسهنّ تحت عجلات مترو الأنفاق، مشاهد تدمي القلب، لكنها فقدت جللها في الآونة الأخيرة، وبدا هذا الإنقسام جلياً، بعد واقعة طبيب الأقصر الشاب، عقب تقطيعه لأوصاله، ونشر تلك الصور على موقع فيسبوك، ما حفزّ عامل الإنقسام بين المتعاطفين، والشامتين الذين يلصقون به تهمة لفت الإنتباه، وهي حالة اشترك فيها الطبيب مع غيره ممن يرسلون رسائل أخيرة قبل الرحيل، برغم قدومهم على تلك الفعلة إلّا إنهم للحظة الأخيرة يتمسكون بترك أثر ودليل أنّهم يوماً كانوا هُنا. 

فيما يبدو تعامل الدولة مع قصص الإنتحار العلني ساخراً وهزلياً كما حياتنا في مصر، فإدارة مترو الأنفاق التي ناقشت فكرة فرض غرامة على أسرة المنتحر لأنّ ذويهم يتسببون في إحداث ضرر عام للمواطنين، لم تلقى الهيئة بالاً بإقامة إجراءات الأمن والسلامة اللازمة والمعروفة في دول العالم المتقدّم، مثل هذا التصريح، حتى وإن لم يدخل حيز التنفيذ يبقى دليلاً على التعامل الغشيم الذي تنتهجه الدولة بحق المواطنين، فالمواطن ينبغي أن يدفع ثمن كل شيء، حتى موته!، وتحت شعار"حياتك تستاهل تتعاش"، أطلقت الحكومة حملات إعلانية مدعومة بخط ساخن، لمواجهة الإنتحار، إلّا أنّه كبقية القرارات الغشيمة التي تتخذها الدولة يبدو غير قابلاً للتنفيذ، الجميع يعلم أنّ الشعب المصري يعاني من عدة اضطرابات نفسية وبشكل خاص في العقد الأخير بعد اندلاع ثورة يناير، وبالرغم من ذلك لا توفر الدولة خدمات نفسية جيدة أو مدعومة للمواطنين، وعلى صعيد العيادات الخاصة، فيكفي أن تصيب تكاليف جلسة نفسية خاصة المصري باكتئاب حاد، حتى لو لم يكن مكتئباً، أمّا الأدوية النفسية، فحدث ولا حرج عن أسعارها التي ربما تبتلع نص راتب المواطن العادي، وزيادة في التنكيل، فإنّ النافذة الوحيدة المجانية للمصريين والمتمثلة في مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، الذي قدمّ الآف الخدمات النفسية لرجال ونساء وأطفال من ضحايا العنف الأسري والاجتماعي والسياسي، قررت الدولة إغلاقه، لتسد آخر متنفس للغارقين في غياهب اليأس. 

لا يخفي على العالم ما يعانيه الشباب العربي في العقد الأخير بشكل خاص، من شعور باليأس والعدمية يتسلل إلى الجميع، المسؤل الأول عنه الوضع السياسي والاجتماعي الرث، والذي كشفت عنه الثورات بما حركته من مياه راكدة، ومشكلات كانت أصيلة منذ زمن، إلّا أنّنا لم نراها بهذا التجلي، فالإغتراب واليأس صارا أقراناً لأجيال تفتح وعيها على الثورات، لم يكن الأمر بتلك السلاسة التي كنا نتخيلها عقب الثورة، بل كان أشبه بإخراج الثعابين من جحورها قبل أن تملك استراتيجية للنجاة، فإمّا أن تلتهمك الثعابين، وإما أن تظل في متاهة محاولة الهرب بلا امتلاك أدوات مجدية لقتل الثعابين أو حتى إرجاعها مرة أخرى لتسكن الجحور، فأما من اختار الإنتحار فهو من التهمته الثعابين، ثعابين الفساد وقلة الحيلة، وفشل التعليم، وقلة فرص العمل، وقتل الإبداع في مهده، ودحر الإختلاف الطبيعي بين أفراد مجتمع عليهم أن يتكاملوا باختلافهم لا أن يقتل القوي الضعيف، ثعابين الأسرة التي تكمن مهمتها في إنتاج نسخ مشابهة عنها، والمجتمع الذي ينبذ الحب، ويحتضن العنف والكراهية، وثعابين أخرى أكثرعنفاً في ارتفاع أسعار سلع أساسية رديئة، والعيش في تلوث دائم، لا تجد بديلاً عنه، يمكنك رؤية نتائجه في طوابير مرضى السرطان، وفيروس سي، الذي التهم أكباد المصريين، وثعابين أكبر التهمت آباء لا يجدون ثمن دواءً لصغارهم، وأمهات ثكلي فقدنّ أبنائهن، أو أثقلتهن هموم الحياة ولم يجدن من يحتضن الآمهن سوى عجلات مترو الأنفاق، لتسدل الستار على الآم، لا بُد أن تحكي يوما ما. 


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك