ببساطة : يعني ايه "عصيان مدني" ؟؟

1722

العصيان المدني هو احدى طرق النضال السلمي في مواجهة السلطة ، للتعبير عن الرفض والمعارضة الشديدة لسياسات /قوانين السلطة ، والعصيان هو اعلان رفض الخضوع لقانون أو لسلطة في سبيل اسقاط هذا القانون أو تغيير السلطة.

أصل المصطلح :

يعتبر أول من استخدم المصطلح هو الفيلسوف والشاعر الأمريكي هنري ديفد طورو (1817-1862)، وكان من أكبرالمناهضين للعبودية وسخّر حياته للدفاع عن العبيد الفارين. 

في عام 1846 سجن لرفضه دفع الضرائب محتجا بمعارضته للسياسة الأميركية ومنها الحرب ضد المكسيك. وهو أول من استعمل المصطلح ونظّر له في كتابه الشهير "العصيان المدني" الذي يقول فيه "لو رفض ألف دفع ضرائبهم، لن يكون هذا عملا دمويا خلافا للدفع الذي سيمكّن الحكومة من مواصلة الحروب وإراقة الدم البريء ، ها قد أصبحت الثورة السلمية ممكنة. وإذا سألني جابي الضرائب ماذا أفعل؟ أقول له استقل. وعندما يرفض المواطن الطاعة ويستقيل الموظف تكون الثورة قد نجحت".



العصيان المدني في التاريخ :

استخدم العصيان المدني في حركات مقاومة سلمية عديدة موثقة؛ في الهند (مثل حملات غاندي من أجل العدالة الاجتماعية وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية)، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية. 

وبالرغم من اشتراك العصيان المدني مع الإضراب (و خصوصا الإضراب العام) في كونهما وسيلتان تستخدمهما الجماهير للمطالبة برفع ظلم أصابها، إلا أن الإضراب متعلق بحقوق العمال في مواجهة صاحب العمل (والذي يمكن أن يكون هو الحكومة).

كما تمثلت إحدى أكبر تطبيقات العصيان المدني وأوسعها نطاقا في لجوء المصريين إليه ضد الاحتلال البريطاني في ثورة 1919 السلمية.


خرق واع ومتعمد للقانون : 

إن فعل العصيان المدني هو خرق واع ومتعمد للقانون. كما أنه انتهاك لقاعدة قانونية وضعية. فإذا كان الانتهاك يقوم على القاعدة محل الخلاف مباشرة، فنحن بصدد الحديث عن عصيان مباشر. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لحملة العصيان المدني التي أطلقها مارتن لوثر كينغ والتي كانت تهدف إلى شغل السود للأماكن المخصصة بمقتضى للقانون للبيض. بيد أن القاعدة التي يتم خرقها ربما لا تكون هي تلك محل الخلاف، وحينئذ يكون الحديث عن عصيان مدني غير مباشر، وهو الحال- على سبيل المثال- بالنسبة للاعتصامات التي لا تهدف إلى الاحتجاج على قانون المرور. وعلى الرغم من عدم إمكانية إدراك وجود خرق مسبق (فالقاضي وحده هو الذي يحدد وجود خرق من عدمه)، فإن أي فعل يعد عصيانا مدنيا، عندما يخاطر القائمون عليه بعمل يكون، في نظر الرأي العام ورأي السلطات، خرقا عاما للقانون. وعند التعرض لهذه القضية، يجدر التذكير بالتجربة التي قام بها ستانلي ميلجرام. والتي تمثلت في قياس نسبة الأفراد القادرين على إطلاق مثل هذا العمل الخاص بالعصيان على الرغم من وجود ضغوط اجتماعية وإدارية.


العصيان المدني عمل عام بالأساس :

يترجم فعل العصيان بسلوك شعبي وهو ما يميزه عن العصيان الإجرامي حيث يزدهر الأخير في الخفاء (وأحيانا تكون له مطالب).

وتهدف الدعاية في حالة العصيان المدني إلى استبعاد كل شكوك حول " أخلاقيات الفعل "فضلا عن إضفاء قيمة رمزية عليه وإلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الجمهور حتى يكون له الصدى الأكبر في تغيير " شعور" أو قناعة" لدى الرأي العام. لذا، يهدف فعل العصيان إلى القيام بأكبر ترويج إعلامي ممكن وربما يتبع إستراتيجية استفزازية ودعاية سياسية.



العصيان المدني في النظم الديمقراطية :

قد يرى البعض أن العصيان المدني هو بالأساس وسيلة تستخدم في مقاومة النظم الاستبدادية ، باعتبار أن النظم الديمقراطية تملتلك حق اختيار ممثليها في المؤسسات التشريعية ، وبالتالي تضمن حقوق الناخبين في عدم تشريع قوانين جائرة قدتضطرهم الى اعلان العصيان .

ولكن في الحقيقة فان العصيان المدني لا يظهر كسلاح قوي الا في الأنظمة الديمقراطية ، التي تعتبر الناخبين رقباء على المشرعين ، وتعطي الأقليات حق مواجهة القوانين الجائرة التي قد تسنها الأغلبية باستخدام كل وسائل النضال السلمي ، واهمها عصيان تلك القوانين.

بينما تعتبر الأنظمة الديكتاتورية ، العصيان المدني بمثابة جريمة كبرى ، وتلجأ دائما الى سلاح الاستبداد للبطش بكل من يعلن عصيان أوامر وتشريعات السلطة ، كما تسلح قوانينها دائما بعقوبات رادعة لمن يخالفها لضمان تنفيذ الشعوب لتلك القوانين والقواعد.


العصيان المدني "جريمة" :

تعتبر أغلب القوانين التي وضعها البشر العصيان لتلك القوانين جريمة ، تتحدد عقوبتها بحسب أهمية القانون ، وشكل نظام الحكم القائم في تلك الدولة ، أما اذا اتخذ العصيان شكل الفعل الجماعي والتحرك الجماهيري لرفض القانون وعدم تنفيذه ، يعتمد رد فعل السلطة على شكل النظام القائم وحجم وقوة التحرك الجماهيري ومدى تأثيره ، فقد ترى الأنظمة مع اتساع رقعة مقاومي القانون أن التفاوض حول القانون ومراجعة جوانبه الجائرة ضمانة لحماية القانون والنظام الديمقراطي، بينما قد يرى نظام أخر العصيان بمثابة تمرد وتحدي للسلطة فتكون المواجهة بالبطش واجبار المعارضين على الامتثال للقانون.


العصيان المدني والشرعية :

العصيان في الأساس لا يستند على شرعية قانونية ، فهو في الأصل خرق للقانون وخروج عنه ، ولكن يستمد العصيان شرعيته من عدة عناصر أهمها ، جور القانون وظلمه لقطاع كبير من الجماهير ، واتساع رقعة المشاركين في العصيان المدني لتضم أكبر تمثيل ممكن ، كما يعتمد على أخلاقيات المشاركين والداعين للعصيان من تمسك باللاعنف والتشبث بعدالة القضية وحدود المواجهة مع واضعي القوانين.


العصيان المدني والأنظمة العربية :

تعتبر الأنظمة العربية العصيان المدني تحديا لسلطاتها وشرعيتها ، خصوصا وأن الشرعيات غير مستمدة من جمهور ناخبين ، فاما شرعيات ميراثية عبر عائلات تحكم بالدم والنسب مثل المملكة العربية السعودية ، أو دول تحكمها أنظمة عسكرية عبر انتخابات شكلية يفوز بها أحد جنرالات المؤسسة العسكرية مثل مصر.

كما تعبر التشريعات والقوانين في تلك الدول عن رغبات الحاكم فقط ، فلا توجد مؤسسات تشريعية منتخبة ولا دساتير حاكمة قد تمثل ضمانة للشعوب.

رغم ذلك فلم تظهر حالات عصيان مدني ناجحة في المنطقة العربية ، لعدة أسباب أهمها :

- التحرك الاستباقي من الأنظمة لمواجهة أي بذور للتمرد ووأدها في مهدها ، بالتنكيل بالرموز المعارضة وقطع قنوات الاتصال بين المعارضين والجماهير.

- كما يعتمد العصيان المدني في الأساس على وجود وعاء داخل المجتمع المدني قادر على استيعاب تحرك الجماهير وتنظيمه والحفاظ على سلميته ، وهو ما تحرص السلطات أيضا على تغييبه بالاحتفظ بأشكال هشه ديكورية للمجتمع المدني دون أي تأثير أو قدرة على الفعل .

- تسيطر على المجتمعات العربية ثقافة الطاعة أو التمرد العنيف ، بينما يحتاج العصيان المدني إلى درجة عالية من الوعي تسمح بتنفيذ التحركات السلمية دون الانزلاق إلى الفوضى أو النزاعات المسلحة.

- كما يعتبر الدين الاسلامي هو السلاح الأهم في يد أنظمة الحكم بالمنطقة العربية ، حيث تروج مذاهب الدين إلى ضرورة طاعة ولي الأمر ، كما يعتبر الدين عصيان السلطة من المخالفات الكبرى التي تستوجب عقوبات قد تصل إلى تطبيق حد "الحرابة" أو ما يوازيها في القوانين الوضعية.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك