الفاشلة اللي مادخلتش طب

368

االفاشلة اللي مادخلتش طب

أثناء جلوسي مع طفلتي الصغيره في عربة مترو السيدات داعبتها سيدة مسنة لطيفه جالسة بجانبها ، وبدأت تسألها الأسئلة المعتادة عن اسمها وسنها والمواد التي تفضلها في المدرسة ، ثم نظرت لي وابتسمت قائلة ( يارب تفرحي بيها وتشوفيها دكتورة) .. فرددت قائلة اني سأفرح بها في كل الأحوال ، ثم نظرت إليها وسألتها السؤال المقدس : عايزة تطلعي إيه يا حبيبتي لما تكبري ؟ فردت عليها ابنتي ببراءة وسعادة ( عايزة ألعب باليه ) وهنا اختفت ابتسامة العجوز ونظرت الي قائلة ( الحقي! دي مش عايزة تطلع دكتورة ) فرددت مبتسمة أكثر (  تختار اللي هيه عايزاه وهافرح بيها برضو ) ثم غادرنا المترو تاركين اياها تفكر كم أنا أم مجنونه  . والحقيقة ان الجنون سيكون في أن اقع في نفس الخطأ الذي تربى عليه جيل بأكمله ودفع ثمن عدم اعتراضه الكثير..ما تربينا عليه منذ الصغر في حصر مفهوم النجاح في الحياة في دخولنا ( كليات القمة ) والتي نلقن أساميها مع خطواتنا الأولى الى المدرسة ، من الأب والأم والأقارب والجيران والأصدقاء وأصحاب المحلات والباعة الجائلين والشحاتين في الطرقات ..( يا رب  تنجحي وتبقي دكتورة – مهندسه قد الدنيا )، بغض النظر تماما عن رغبتنا من عدمها في أن ندرس الطب او الكيمياء او الهندسة  ..بغض النظر عن صوتك الجميل ولوحاتك الرائعه وكتاباتك المتميزة ومشغولاتك اليدوية الرقيقة.. لن تشتركي في الفرقة المسرحية ولن نسمح لكي بالإشتراك في التدريبات الرياضية ، كل هذا مضيعة لوقتك لإنك يجب أن تدرسي وتدرسي وتصبحي من أوائل الطلبة لكي تدخلي كلية قمة،  فتنام الأسرة كلها قريرة العين مرتاحة البال واثقين من دخولهم الجنه وانهم كسبوا دنياهم واخرتهم و( عملوا اللي عليهم تجاهك) لإنك دخلتي كلية قمة .

ومن منا لم تتعرض للكم الهائل من السلطة الأبوية في تقرير المصير والإبتزاز العاطفي من الأهل كي ترمي أحلامها وطموحاتها عرض الحائط؟ فلن تكوني ابنة بارة ولن تستحقي الإحترام والتقدير ولن تتزوجي زيجة سعيدة الا بدخولك كلية قمه . ومن هنا جائت برمجة العقل على أن النجاح فقط يكمن في دخول كليات القمة دون سواها ، وأن المجتمع حولي سيلبسني ثوب الإحترام والتقدير فقط اذا سبق اسمي حرف د. أو م. ، اما اذا اتت الرياح بما لا تشتهي السفن ،  فقد أتيت اثما عظيما تحاسبين عليه سنين طويله ، وترفع الرايات السوداء في المنزل .. ترمقك والدتك بنظرة ( احنا قصرنا معاكي في اية عشان تكسرينا وتخذلينا وتضيعي فرحتنا ) وينصب صوان من البكاء والحزن الثقيل كأنك قتلتي قتيلا ، ويتم وصمك بالفشل وبضياع مستقبلك والعديد من العبارات الكفيلة بتحطيم نفسيتك وتشتيت ذهنك عن كل محاولات التفكير في ماذا بعد وماذا أريد أن أكون .العديدات منا مرت بذلك  ودفعن الثمن ، الثمن من عمرنا ومجهودنا الذي ضاع فيما لانريد أن نكون ، الوقت الذي أهدر فيما يريدون هم لا ما نريد نحن .. كم منا تخطى عمرها ال30 ومازالت تبحث عن نفسها وتحاول اكتشاف ماتستطيع أن تفعل لتبرع فيه وتعيش من دخله ؟ واذا ابتسم لنا الحظ واستطعنا ان نحدد هويتنا ونجد ضالتنا والسبيل الذي نريد أن نسلكه والعمل الذي نتوق اليه ، نجد ألف عائق من رفضهم للعمل ومكانه ومواعيده وطريقته ، فهو عمل فاشل وانتي فاشلة ولا تعرفين مصلحتك كما نعرفها نحن .

 لذلك تبهجني كثيرا رؤية نماذج لفتيات وسيدات مصريات  ناجحات في مجالات عمل مختلفه ، دائما ما أجد نفسي اذا ما انتابتني لحظات الانكسار والشعور بالفشل اركض لأتابع  صفحاتهن على مواقع التواصل الاجتماعي بشغف في محاولة  بأن أستمد منهم القوة و الأمل . سيدات وفتيات بينهم تنوع كبير في شخصياتهم وأعمارهم وعقولهم وأقاليمهم وتربيتهم وتوجهاتهم ، ناجحات في مجالات عمل اخترنه بأنفسهن بعد عوائق عديدة كاللتي واجهناها جميعا بحكم اننا فتيات في مجتمع شرقي. سيدات وفتيات عرفن على مستوى العالم في مجال السياسه والمحاماة والرياضات والفنون والعلوم والتكنولوجيا والصحافه والطبخ والنحت والتسويق والبيع والفضاء والموضة وصنع الألعاب والتصوير وقيادة المقطورات وغيرها الكثير والكثير من المجالات التي لم ندرك اننا نستطيع ان نفكر فيها ونعمل بها وبل وننجح ونتفوق ونحصد الجوائز والبطولات وشهادات التكريم. من هنا أدركنا ان الغد الأفضل سيأتي من جيل واعي تعلم من أخطاء أسلافه ، ونمى وطور مهارات أبناءة وغذى روحهم بما يميلون له ونمى هوايتهم أيا كان اختيارهم، فالنجاح ليس حكرا على مهنة محددة ولا فصيل محدد من الناس ،بل النجاح في عدم الاستسلام في المحاولة ونؤمن أن تحقيق مانريد أن نكون والسعي لتطوير النفس وإثبات الذات لتحقق حلمك أنت هو التعريف الحقيقي للنجاح...


نحن نحيا مرة واحدة فاختاري من تريدي أن تكوني في حياتك .


 

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك