الخوف وتحطيم فرصة بناء المنظومة الأخلاقية

500

      عندما يتم نقد الخوف ودوره في المنظومة السياسية والاجتماعية يتم هذا النقد غالبا من منظور يركز علي دور الخوف في حماية النظم السياسية أو الاجتماعية الديكتاتورية والقمعية والفاسدة كثيرا من الأحيان. ويتم توجيه رصاص النقد للمجتمع وبخاصة المجموعات "الجبانة" التي تخضع للخوف والقمع وتقبل أن تظل "عبدة" لهذه المنظومات. وأحيانا تتسع النظرة التحليلية للخوف، ويصل البعض لتحليل دور الخوف في خلق شخصية الفرد داخل الأسرة والمجتمع؛ وخطيئة الأهل في بناء شخصيات ضعيفة ومحطمة وعاجزة عن لعب أي دور قوي في التغيير الاجتماعي او السياسي بل وتنقل هذه الشخصيات ضعفها وعجزها وخنوعها لأبنائها ولكل من هو أضعف منها فيما يعرف بدائرة القمع؛ حيث تمارس مثلا الطفلة الخائفة الخاضعة لوالدها العنف والإخضاع والتخويف علي حيوان ضعيف أو علي أبنائها مستقبلا.


        وكل هذه الأثار عميقة للغاية وتبقي المجتمع داخل دائرة قمع وديكتاتورية وظلم وخنوع لكن هناك أثر أخر للخوف لا يتحدث عنه الكثيرون؛ وهو أثر الخوف في تحطيم أي فرصة للفرد أو المجتمع في بناء ما يعرف ب"المنظومة الأخلاقية." يظن الكثيرون أن الخوف يفرض منظومة أخلاقية محددة علي الأفراد أو المجتمعات فمثلا يفرض الأهل المتدينين السلطويين المنظومة الدينية الأخلاقية علي أبنائهم أو تفرض الدول الدينية القمعية المنظومة الأخلاقية الدينية علي أفرادها إلا أن هذا ليس صحيحا بالضبط. فالأهل والدول السلطوية الذين يحكمون بالخوف يفرضون علي الأفراد أفعالا معينة في العلن لكنهم لا يخلقون نظما أخلاقية عميقة لدي الأفراد.


      فيمكن مثلا أن يصدق الفرد في دولة دينية قمعية أنه سيجلد أو يعذب من رجال السلطة في الدنيا ومن الإله في الاخرة إن فعل ما هو محرم لكن تصديقه هذا سيكون قائما علي الخوف فقط. التصديق هنا زائف وهش؛ فهو مجرد تصرف عاطفي مبني علي خشية خسارة فردية محددة مثل خشية التعذيب دنيا واخرة. أما المنظومة الأخلاقية فهي شيء أكثر تعقيدا؛ المنظومة الأخلاقية هي مجموعة أفكار منظمة مترابطة يؤمن بها الفرد، ويستمد منها أساسا لتمييز ما هو صواب وما هو خطأ، والتصرف في الحياة طبقا لهذه الأفكار.


       الخوف يجعل الأفراد يتحركون بغرائزهم ورغباتهم لكنه يسلبهم تماما البناء الفكري العميق للأفعال. عندما تسأل/ين الخائف من العذاب الدنيوي والأخروي عن سبب أفعاله قد يدعي أن مصدرها أوامر الإله لكن إن أكثرت أسئلتك/ي، ستجد/ين هذا الفرد يحمل صورة متذبذبة، وغير واضحة للإله أو للصواب والخطأ؛ لأن سببه الحقيقي لأفعاله لا يقف علي مفهوم ثابت ومحدد للصواب والخطأ ولا علي منظومة فكرية عميقة إنما فقط علي ما تربي عليه من تصرف تلقائي سريع لحماية نفسه مما يخافه من تنكيل.


        هذا الفرد وهذه المجتمعات المبنية أفعالها علي الخوف والتي لا تكون منظومة فكرية أخلاقية واضحة تميز بها الصواب من خطأ تغير أفعالها بسرعة للنقيض بمجرد إنهيار سبب الخوف. فبمجرد مثلا أن يسقط الحكم القمعي الديني أو بمجرد أن يشك الفرد أنه لا يوجد عذاب أخروي أو أن الإله أكذوبة يغير الفرد أفعاله بالكامل لنقيضها. فمثلا قد يشرب الخمر بدون سبب منطقي لشربها أو ينغمس في أفعال جنسية كانت محرمة في دينه بدون تفكير هل هي صواب أم خطأ فما كان يمنعه من أفعال معينة هو الخوف، وليس منظومة فكرية أخلاقية مستقلة.


          وأحيانا يقع الفرد بعد وفاه أهله المتسلطين أو سقوط النظام القمعي مثلا في حالة ضياع وتخبط ويتصرف تصرفات متناقضة بلا أي منهجية فكرية بل وتحمل قراراته كلها تخبطا شديدا وقد يفعل الشيء ونقيضه، وقد يبدي الرأي وعكسه. هنا نجد شخصا ضائعا تماما، ومصدر ضياعه أنه لا يملك ما يقف عليه، ولا يعرف كيف يكون أرضية واضحة؛ لأنه لم يعتد تكوين شيء لقد أعتاد أن يبقي طائرا بلا أفكار، ويمسكه في طيرانه من يقمعه بسلاسل من حديد، ويجذبه خلفه.


         الحقيقة أن هذا ربما يكون واحد من أخطر وأسوأ نتائج الخوف فهو هنا لا يخلق فقط شخصيات ومجتمعات ضعيفة ومعذبة ومقموعة وعبدة بل وأيضا يمحو تماما أي فرصة لهذه الشخصيات والمجتمعات في تكوين أي ثوابت أو أسس حقيقية؛ فكل ما يقفون عليه هو الهواء، وكل ما يحملهم هو السلاسل، ويوم تنفك السلاسل يظلون طائرين في فضاء بلا معني، ولا يستطيعون أن يبلغوا أي أرض.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك