أشعياء وفلتاؤس".. أقوال جديدة في مقتل أنبا دير المقار"

470

ليست الحادثة الأولى، هذا صحيح، فقبل 55 عامًا دس السم في علبة دواء، للأنبا يوأنس مطران الجيزة والقليوبية، وقتها كان الصراع بين مدرستي الجيزة و كنيسة الأنبا أنطونيوس شبرا قائم على رؤيتين، إحداهما ركزت على العمل المجتمعي، والأخرى ركزت على النهضة الروحية، وهو ما عرف بالصراع الأكثر شراسة، بين البابا شنودة ويوسف إسكندر أو الأب متى المسكين.

من جهة، كانت رؤية الأب متّى، هي رفض مشاركة الكنيسة في العمل المجتمعي وشؤون الدولة، حيث مهمة الكنيسة فقط هي قيادة المخطئين إلى المسيح. علاوة على ذلك، اتخذت كتاباته التي عمل فيها على إعادة اكتشاف الآباء تحولًا حادًا عن أسس تدريس المسيحية الأرثوذوكسية المعاصرة.

عام 1985؛ بعد خروج البابا شنودة من الدير، كان حرًا في تشكيل الكنيسة على صورته. حيث قُتل الأسقف صموئيل مع السادات، وتم تحييد الأسقف جريجوريوس. ومع مرور الوقت، رَسَّم عشرات الأساقفة وآلاف القساوسة من تياره. بينما بقي الأب متّى الذي تم حظر كتبه واضطهاد أتباعه في الدير حيث تجمع التلاميذ حوله. وفي أوائل عام 2000 كرّس البابا شنودة وعظاته لمهاجمة الأب متّى. وكان رَجُله في حصار تيار الأب متّى هو الأنبا بيشوي، مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدس.

عام 2006، مات الأب متّى، وتخيَّل البابا شنودة واتباعه أن أفكاره ماتت معه. لكن المفاجأة كانت خروج جيل جديد من العدم متأثرين بتلك الأفكار.

جاء البابا تواضروس برؤية انفتاحية جديدة للكنيسة غيرت الوضع بشكل كبير عن طريق فتح الأبواب أمام أتباع الأب متّى. رَسّم تواضروس الأسقف إبيفانيوس وآخرين غيره. وعيّن أتباع الأب متّى في مناصب للتدريس بالكلية الإكليريكية. وجهات نظر البابا تواضروس حول المسكونية، والرغبة في إلغاء إعادة معمودية الكاثوليك، وتغيير تواريخ عيد الميلاد وعيد الفصح، وغيرها من الخطوات أغضبت الحرس القديم.

وبعد مقتل الأنبا إبيفانيوس، وتحديدا في 5 أغسطس، أصدر البابا تواضروس الثاني بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية قرارًا رسميًا بتجريد الراهب أشعياء المقاري من الرهبنة وعودته لاسمه العلماني، بعد تحقيق من لجنة رهبانية مشكلة من لجنة شؤون الرهبنة والأديرة بالمجمع المقدس.

وجاء في نص القرار الرسمي أنه بعد التحقيق الرهباني بواسطة لجنة خاصة شكلتها اللجنة المجمعية لشؤون الرهبنة والأديرة مع الراهب أشعياء المقاري، بخصوص الاتهامات والتصرفات التي صدرت عنه "والتي لا تليق بالسلوك الرهباني والحياة الديرية والالتزام بمبادئ ونذور الرهبنة من الفقر الأختياري والطاعة والعفة، قررنا تجريد الراهب المذكور وطرده من مجمع دير القديس العظيم مكاريوس الكبير بوادي النطرون، وعودته إلى اسمه العلماني وائل سعد تاوضروس وعدم إنتسابه إلى الرهبنة وحثه على التوبة وإصلاح حياته من أجل خلاصه وأبديته".

ودعا القرار جموع الأقباط إلى الحفاظ على نقاوة الرهبنة القبطية بتاريخها المجيد، وحياة الأباء الرهبان التي اختاروها بأنفسهم، "لذا نرجو من الجميع عدم تعدي الحدود الواجبة في المعاملات والعلاقات، والالتزام بالتعليمات التي تصدرها الأديرة في الزيارات والخلوات".

والقصة تعود إلى مطلع أغسطس الجاري  حين اجتمعت لجنة شؤون الرهبنة والأديرة بالمجمع المقدس برئاسة البابا تواضروس الثاني بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية. لم تعلن الكنيسة أية تفاصيل عن الاجتماع وقتها، لكن وثيقة انتشرت على الصفحات القبطية في فيسبوك حوت أربعة بنود قيل إنها قرارات صادرة عن الاجتماع، قال البند الرابع فيها إن الكنيسة قررت تجريد الراهب يعقوب المقاري. وهو راهب آخر بالدير يختلف عن الراهب الذي تم تجريده اليوم.

الوثيقة التي ثبت عدم صحتها بعد ساعات شككت في أن يكون للراهب المذكور علاقة بمقتل الأنبا إبيفانيوس.

"أشعياء المقاري"، فتتلخص قصته في خلاف نشأ بينه وبين الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير الأنبا مقار في فبراير، ترتب عليه طلب الأنبا الراحل من البابا تواضروس بنقل الراهب من الدير.

هذا الطلب غير من مساره خطاب التماس موقع من 52 راهب من دير الأنبا مقار يطلبون فيه بقاء هذا الراهب مع تعهد بخضوعه لأبيه أسقف ورئيس الدير الأنبا إبيفانيوس، وتمت الاستجابة لهذا الالتماس ليبقى الراهب في الدير.

بقي الراهب أشعياء المقاري من وقتها داخل أسوار الدير ولكن مع حادث مقتل أسقف ورئيس الدير، عادت سيرته لتطل على مسرح الأحداث. ومع قرار تجريده اليوم عاد اسمه ليطل بقوة أكبر، لا كمجرد راهب عاص؛ وإنما كشخص خارج تمامًا على قيم الكنيسة الروحية والطهرية.

راهب منتحر آخر:

خلال ساعات، ينتهي اليوم الثاني للراهب فلتاؤس المقاري في غيبوبته العميقة، التي سقط فيها عقب ما نقلته الأنباء عن "محاولة انتحاره" في دير الأنبا المقار بوادي النطرون. وهو الدير نفسه الذي عُثر فيه على جثمان الأنبا إبيفانيوس مقتولاً صباح الأحد 29 يوليو الماضي.

استيقظ رهبان الدير صباح الإثنين 6 اغسطس على فاجعة جديدة، حين وجدوا الراهب فلتاؤس المقاري وقد "ألقى بنفسه من مكان مرتفع" بحسب رواية أحد الرهبان، ففلتاؤس المقاري "حاول الانتحار" بقطع شرايينه، ثم ألقى بنفسه من مكان عال. كان ذلك في الصباح الباكر، وفي محاولة لإنقاذه تم نقله للمستشفى.

توجهت  وسائل إعلام إلى المستشفى التي يمكث بها الراهب، فوجدوا تشديدًا أمنيًا في السماح بالدخول، فبخلاف الإجراء المعتاد بسؤال كل زائر عن وجهته واسم المريض الذي ينتوي زيارته، استحدثت الجهات المسؤولة عن تأمين المستشفى والراهب وسيلة جديدة للتأكد من عدم دخول صحفيين، وذلك بقيام فرد أمن باصطحاب الزائر إلى غرفة المريض أو العيادة التي يدعي القادم زيارتها، والتأكد من صحة وجهته وإدعائه.

المستشفى من الداخل بها 3 مباني وحديقة واسعة وكافتيريا وسيارة ميكروباص تتبع الشرطة المصرية. ومن الواضح أن الموظفين هناك قد تلقوا تعليمات بعدم الحديث عن الراهب، وإن كانت ملامح وجوههم تفضحهم كلما ادعوا أنهم لا يعرفون بوجود الراهب في المستشفى.

أفادت النيابة أنه فشل في محاولته الأولى للانتحار بقلايته، فاستقل سيارته وتوجه لمبنى العيادات الطبية وصعد إلى الطابق الرابع وقفز من أعلى.

و أمام باب العناية المركزة، نجح موقع المنصة في لقاء أقارب الراهب. 

"بعد وصول الراهب فلتاؤس للمستشفى بساعتين أو ثلاثة، قالت النيابة العامة بوادي النطرون في تصريحات تناقلتها وسائل الإعلام إن فلتاؤس المقاري، حاول الانتحار بقطع شرايين يده داخل مسكنه في الدير، وبعد معاينة قلايته (مكان سكنه في الدير)، أفادت النيابة أنه فشل في محاولته الأولى للانتحار بقلايته، فاستقل سيارته وتوجه لمبنى العيادات الطبية وصعد إلى الطابق الرابع وقفز من أعلى.

أمام غرفة الرعاية التي يرقد فيها الراهب في غيبوبته؛ كان يجلس عم الراهب (ف. م). عندما سألته عن حالة الراهب فلتاؤس المقاري، شك في أني صحفية، وبدأ في صب غضبه على الصحافة والإعلام كله فوق رأسي.


كان غاضبًا جدًا من الأخبار المتداولة عن انتحار ابن أخيه متسائلا في استنكار "هل سمعتي قبل ذلك عن راهب ينتحر؟ لماذا عمد الإعلام لتشويه صورة ابن أخي". أكدت له أن وسيلة الإعلام التي أعمل بها لم تنشر خبرًا يفيد بانتحار الراهب، وأنني جئت للمستشفى في محاولة لاستطلاع الحقيقة بنفسي.


بعد أن هدأ قليلا قال إن فلتاؤس المقاري وصل للمستشفى في حالة يرثى لها، وبناء عليه لم يستطع رجال الأمن استجوابه. وأضاف أن هناك جروح في يدي الراهب الاثنتين، تم تفسيرها بأنها محاولة لقطع شرايينه. مشككًا أن يُقدم شخص على الانتحار فيقطع شرايين يديه الاثنتين ثم يلقي بنفسه من مكان مرتفع. يستطرد عم الراهب "كيف لشخص قطع شرايينه ورأي نافورة دم تخرج من يديه يكون لديه المجهود ليرمي نفسه بعدها".


تابع عم الراهب "ابن أخي باحث بارع ولديه مؤلفات في تاريخ الكنيسة، ومشهود له بالالتزام. ولم تكن تواجهه أية مشكلات فكيف لشخص اختار دخول الحياة الرهبانية بنفسه أن ينتحر؟" ويؤكد أنهم لم يعرفوا ما حدث من داخل الدير وإنما علموا بـ"الخبر المشؤوم"من وسائل الإعلام. وعندما سألوا عنه في الدير قال لهم أحد الآباء الرهبان إنه قضى وقته بالأمس مع راهب آخر حتى ساعة متأخرة من الليل، ولم يكن هناك أي شيء ينذر بما حدث، ثم وجدوه في الصباح الباكر وهو مُلقى على الأرض من مكان مرتفع".

رافق الراهب فلتاؤس - الذي قيل إنه حاول الانتحار- 5 رهبان، ظلوا معه في الرحلة من صحراء وادي النطرون وحتى المستشفى القاهري. كان أحد هؤلاء الرهبان طبيبًا قبل التحاقه بالحياة الرهبانية، لذا طمأن من جاء من أهل زميله، قائلا لهم إن هناك أمل كبير أن يتم إنقاذ حياته.

وقف أهل الراهب أمام غرفة العناية المركزة وعيونهم معلقة بهذا الباب، يؤكدون أنهم يحاولون حماية ابنهم، ويرون أنه مستهدف وأن ماحدث كانت محاولة لقتله وليس كما زعم من حوله إقدامًا منه على الانتحار.

الراهب الطبيب الذي جاء معه من الدير أفاد أنه وجد آثار حروق على ساق الراهب الخاضع للعلاج، بالإضافة لمعاناته من الكسور والسحجات نتيجة لسقوطه من مكان مرتفع، كما وجد بجسده جروحًا عند منطقة الرسغ في يديه الاثنتين وهي التي تم تفسيرها على أنها محاولة للانتحار.



تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك