ماجِد المصري، والميكروباص المُتَّجِه لـ " الكيت كات "

402

مُنذ سنتان كُنت أذهب إلى مُحاضرات الدراسات العُليا في إحدى الكُليات الموجودة بمنطِقَة الزمالِك، كان يومي روتينيًا جِدًا، استخدم نفس وسيلتيّ المواصلات، وامضي وقتي في الاستماع إلى الاغاني أو قراءة احدى الروايات، وأواجه مُشكلتين بشكل أساسي، الأولى فهي حوادِث التحرُّش التي قد اتعرَّض لها، وصعوبة الركوب من منطقِة "الإسعاف" بسبب عدم قُدرَة السائق على الوقوف لوجود أمين الشُرطَة، مِمَّا يتطلَّب منِّي المشى عِدَّة أمتار عكس إتِّجاه الميكروباص لكي استطيع الركوب بشكل هادئ، أو أن اختبر مَدَى خِفَّة جسدي وسُرعَته في الصعود أثناء سيره ببُطء، مُلاوعًا الأمين، وكاسبًا الزبون. إلى أن جاء يومًا كسر تعويم الدولار هذا الروتين، عن طريق إضافة العديد من الجِدالات والمفاوضات بين جميع الرُكَّاب والسائق من أجل تقليل الأُجرَة التي ارتفعت نتيجة لذلِك القرار، واستقرَّ السائِق على زيادة الأُجرَة 25 قرشًا للمُتَّجِه إلى فُندق ماريوت، بالإضافة إلى زيادة أُخرى على حسب وَجهة الراكب، ثُم حَدَث ما حدث. 



كان من ضمن الرُكَّاب سيِّدة افريقيَّة تبدو في العقد الثالِث من عُمرها، يظهر الشقاء عليها، دفعت المُقرَّر من أُجرَة السائِق، ومُنتَظِرَة استلام الـ 25 قرشًا المُتبقيَّة من المبلغ المدفوع، وحينما تجاهلها السائِق، أخذت تتحدَّث بصوت أعلى مُطالبة بحقها، إلى أن تولَّت سيِّدة مصريَّة مُهمَّة الرد عليها، وأمطرتها بوابل من الشتائم، واستنكرت حقها في المُطالبة بهذا المبلغ الهيِّن – الذي كان منذ بضع دقائق كبيرًا على الراكبين وحرام أن يدفعوه – واضطر السائق بعد ضغط عدد أخر من الرُكَّاب في أن يُعيد المُتبقِّي لهذه السيِّدة، وحينما همَّت بالنزول صرخت المرأة المصريَّة قائِلة " تلاقيكي جاية من بلدك عشان تشتغلي عاهِرة في ماريوت "، بالطبع لم تقل عاهِرَة، ولكنها وصفتها باللفظ العامي لهذه الكَلِمة والذي يعني " الخَرقة المُمزَّقَة ". 

من أجل رُبعًا من الجُنيه، وُصِفَت المرأة بالعاهِرة لأنها فقط امرأة أجنبيَّة سمراء. 



لم أنس هذه الحادِثَة، وحضرت بقوَّة حينما شاهدت لقاء المُمثِّل – وليس الفنَّان – ماجِد المصري الذي يحكي فيه عن مقلب صديق عُمرِه، عندما أرسل ثلاث فتيات إليه لرغبتهن في التعرُّف عليه، وحينما طلب منهن رفع الغطاء من على وجوههن تفاجئ بأنهن افريقيَّات، وصار فاغر الفَم والعينين، وأخذ يصيح طالبًا منهن النزول من السيَّارة، وهو يرفُس بقدميه كمَن يُبعِد حيوانًا عنه. 



لم تُساهِم سنوات من الدراسة، والشهادة العلميَّة التي يحمِلها المُمثِّل العُنصري، ومهنته ذات الأهميَّة الكبيرة في إعلاء قيمة الإنسان، والتعامل مع البشر على قدم واحد من المساواة، وفشلت الملابس المُشتراه من العلامات التجاريَّة في إخفاء نظرته الدونيَّة لمن هم مختلفين عنه. 


ولأن العُنصريَّة إذا وُجِدَت فهي تطول كُل الجوانِب، يرَى أيضًا أن الَفن مِهنَة مُحرَّمة على ابنته، في حين أنه سَمَح لولديه بالدخول في المجال الفنِّي، وبالرُغم من اعترافه بعظَمَة موهبة ابنته، إلا إنه حَكَم علىها بالإعدام بدون أي سبب واصِفًا ذلك بأنه رجل حُر، ولكن الرَجُل الحُر هو الذي يؤمِن بقيمَة الحُريَّة، وبأنَّها حق متساوٍ للجميع، وأن الإكراه ليس حُريَّة، وإنها تكون غير مشروطَة بفِعل مُعيَّن، فالفتاة التي تختار أن تكون طبيبة، فحقها أيضًا أن تكون فنَّانة إن ارادت ذلِك، فلا فرق بين العربيّ الذي وأد فتاته، وبين العصريَ الذي يُعدِم موهبة ابنته، فقط اختلف المأوى والملبس والمأكل، ولم تختلف العقليَّة. 




ماجِد ... هو المصري العُنصري تجاه ذوى/ ذوات البشرة السمراء، الذي يُفرِّق بين إنسان وإنسانة فقط لاختلاف جنسهما، هو الأب الذي يتدخَّل في قرارات أولاده، وبناته سواء بالموافقة أو الرفض، الذي يعطي الموافقة على فِعل مُعيَّن حينما يتوافق ويتماشى مع أفكاره، هو الرجل الذي انتظَر ليلة اختلف درجة احمرارها في مُخيلته، انتظرها بفارِغ الصبر، هو الرجل الذي يقول " لأ وخلاص! ... هو كِدَة. ... أنا حُر " صائحًا بذلِك بصوتٍ حاد ولكن في الواقع بداخله انسانًا مُقيِّدًا ضعيفًا يرفَع شعار " خدوهم بالصوت لا يغلبوكم " 


ماجِد المصري هو اسم على مُسمَّى، يعكِس حقيقة الكثير من الرجال المصريين فيما يخص التفرقة بين الجنسين، هو المرآه التي تعكس العنصرية الكامِنة في بعض نفوس المصريين، والمصريات، هو المُتصنِّع للشرف، ولذلِك أعتقد إذا واجهتني مثل هذه الشخصيَّة فإنني سأكتفي بقول (انت/انتِ ماجِد المصري أوي)


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك