جيل الثورة مات ودلوقتي جيل الفيديوهات

430

اكتشفت بالصدفة من أحد الأصدقاء برنامج علي الموبايل يدعي Musicly، ومن الواضح إنه مشهور بشكل أكبر مما كنت متخيلة، وعليه عدد كبير جداً من المتابعين المصريين والعرب.

البرنامج عبارة عن فيديوهات بيصورها مستخدمين البرنامج وهما بيحركوا شفايفهم مع صوت كلمات أغاني، أو مشاهد من أفلام، كساوند تراك للفيديو لكن بصورتهم وحركاتهم هما.

أول ما بدأت أتابع البرنامج واتفرج على الفيديوهات، حسيت إنه حصلي صدمة حضارية وإني مُغيبة بشكل كبير عن العالم والجيل الأصغر مني (جيل ما يسمى بـ"الإندر إيدج" أو القاصرين).

وبدأت أتساءل جدياً, كل دا حصل امتى وإزاي؟

فجأة في جيل تاني اتخلق وظهر مختلف تماماً عن الجيل اللي قبله، جيل أكثر جرأة وأكثر انفتاحاً، ولا بيخاف من ابتزاز أو عادات أو تقاليد أو قيم.

جيل بيستخدم جسده بشكل صريح ويكسر حدود خصوصياته وحياته الشخصية من أجل أن ينال الشهرة ويجمع متابعين ومشاهدين لصفحاته الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا حصلتلي حالة من الحيرة والتردد ما بين هل دي الحرية اللي بطالب بيها طول الوقت؟ ولا دا شيء تاني؟ 

طب لو هي دي الحرية فعلاً -إن كل واحد يعمل اللي هو عايزه مادام مش بيضر حد- فأنا ليه حاسة بتعجب وصدمة من محتوى الفيديوهات الفاضح واللي بعضه يعتبر إباحي؟

ما هما مش بيأذوا حد بالفيديوهات دي ولا بيهددوا الأمن الوطني مثلاً ولا بيمثلوا خطر علي الشعب.

هل أنا اتعلمت حرية ناقصة، أو أنا أصبحت دقة قديمة ومن الجيل القديم اللي بينتقض الجيل اللي بعده زيي ما الجيل اللي قبلنا دايماً بينتقدنا، هل أنا إزدواجية وبكييل الحرية بمكيالين..

معنديش إجابات قاطعة وصريحة، لكني هحاول أكون حيادية وأقول أنهم بالفعل أحرار، حتى لو بيصوروا فيديوهات بطريقة أو حركات أو كلمات في نظري وفي نظر المجتمع غريبة، أو لا تليق (خصوصاً إنه معظهم سنهم أقل منال 18) فهما مازالوا أحرارًا، مادام مبيعرضوش أي حد لأي نوع من الأذى.


لكن بعيداً عن معضلة الحرية، ففي أزمة أخرى أعتقد من حقي أعلق ليها بما إنه الفيديوهات دي عامة ومتاحة للجميع، إذاً فهي معرضه للنقد والتعليق، ومظنش تعليقي هيكون تعدي على الحريات لأنه البرنامج دا بعيد كل البعد عن الخصوصية.

أنا كفتاة عشرينية, نضجت وكبرت في أيام الثورة، كان كل حلمي وهدفي خلق مجتمع أمن لكل الأجيال، نساء وذكور.

كان حلمي الثورة والتجديد يخلق جيل أكثر واعياً وثقافة، جيل مختلف، المسيحي واليهودي والإخواني يعرفوا يمارسوا فيه معتقداتهم الدينية في مباني العبادة الخاصة بيهم بمنتهى الحرية، دون ما أي طرف فيهم يتعدى على الآخر أو يولع فيه أو يقتله أو يكفره. 

جيل فاهم أنه الست من حقها تشتغل وتسافر وتستقل وتصرف على نفسها وتتجوز وقت ما تحب لمن تحب بطريقة اللي تحبها, جيل لا يقيم الرجل بفلوسه أو مركزه.

جيل قارئ وحالم ومثقف، جيل عنده فرص لتعليم اللغات والمعرفة عن أديان جديدة، جيل يتقبل الـلاديني والملحد، جيل يتقبل الأشخاص أياً كان نوعهم أو ميولهم، جيل فاهم إنه المتحولون جنسياً مش مرضى نفسيين وأنهم علمياً موجودين ولهم حق اللجوء للطب زيهم زيي أي حد، جيل يقرأ لأحمد خالد توفيق وعلاء الأسواني ويوسف زيدان وطه حسين أو حتى لأحمد مراد.

جيل يتابع الأخبار اليومية، ويشارك ويعلق على حال البلد اللي ميصرش بكل حرية, جيل يقدس الرياضة ويمارسها بشكل يومي أو على الأقل يعيي أهميتها، جيل يشجع أولاده وبناته على المساواة والتعليم بكل أنواعه.

جيل يشاهد المسرحيات وعروض الأوبرا والبالية ومعارض الفنون التشكيلية والتجريدية.. جيل يتابع البرامج العلمية المبسطة مثل الدحيح والإسبتالية وإيجيكولوجي..

جيل واعي, يثور ويرفض أي ظلم أو قرارت غير أدمية تصدر من أي جهه اياً كانت, جيل يعرف حقوقه وواجباته, جيل إنساني آدمي، لا يمارس العنف ولا يقبل به كأسلوب حياة.

جيل يحترم المرأة ولا يقيمها حسب مظهرها أو جسمها، جيل يدرك أن قيمة الست في نجاحها ومعرفتها العلمية والثقافية، قصدي من كل هذا الكلام، إنه بالتأكيد هؤلاء الأطفال أحرار فيما يفعلون، لكن أقدر أجزم وأقول إنه مش هو دا الجيل اللي ثورة كانت بتحلم بيه، وإنه أكيد مش دا الجيل اللي هياخدنا لقدام أبداً. 

وبالتأكيد مش هقدر أشجع وأدعم 1% من اللي بيعملوا، حتى وإن وكان لهم الحق والحرية الكاملة في تسجيل هذه الفيديوهات بهذا الكم من الممارسات والأفعال المشينة والجاهلة, فبالطبع أنا ليا مطلق الحرية في عدم تدعيم ما يحتوي عليه هذه الفيديوهات، وليا الحق إني ألوم بشكل صريح على صناعي هذا النوع من البرنامج والمجتمعات الإكترونية اللي مش هتفيد هذا الجيل من القاصرين في أي شئ.

وإن كان برضو معنديش اعتراض أو أزمة مع شهرة هؤلاء الأطفال على هذه البرامج الإلكترونية، ولكن عندي اعتراض على عدم شهرة الآخرين، الأفضل منهم، اللى بيقدموا محتوى علمي أو ثقافي أو فني، اللي يستحقوا الشهرة فعلاً بس مهدور حقهم بسبب انحدار الذوق العام اللي انحدر من الأساس بسبب إنه تسليط الضوء كله بقى على البرامج مثل Musicly  وتجاهل تام لبرامج وصفحات مثل AJ+  اللي بها عدد لا بأس به من المتابعين ولكن مش بنفس قدر أو نصف حتى متابعين Musicly.

بل وصلت كمان لحجب مصادر, ومواقع وقنوات مهمة جداً مهتمة بقضايا الجندر، والجنسانية  والمجتمعية والسياسية (زي موقع جيم, وقناة أون لايف..), فبالتالي بقى كل مصدر المعرفة والتفاعل الإلكتروني المتاح للجيل الحالي والقادم هو المواقع المشابه لMusicly  فقط لاغير!

غير كل دا، أعتقد إنه في خطر كبير على هذا السن من الأطفال الذي لا يفقهه شيء عن الأمان الرقمي، وبينشر حياته الشخصية بهذه الدقة على مواقع عامة ومتاحة للجميع دون ما يكون بيتقدم له وعي سواء من الأهل أو المجتمع عن ما يمكن أن يسببه الانترنت والسوشيال الميديا من خطر، سواء من متحرشين إلكترونيين أو ابتزاز أو متعقبين.. خصوصاً إنه العالم العربي الأكثر خطراً والأقل أماناً في هذه الأشياء بوجهه الأخص .

فبغض النظر عن الحرية التي يستحقها الجميع، فما تسببه هذه البرامج والمواقع من مساوئ أكبر وأبعد بكثير من نظرية الحرية المطلقة، فالموضوع يحتوي على أبعاد أخري أعتقد مهم نسلط الضوء عليها ونعلق عليها لأجل أمان الجيل اللي مازال قاصر، ومن حقه يستقبل وعي وفرصة يعرف ويفكر بيهم في عواقب أفعاله واستغلال هذه المواقع له وبدون اهتمام لأمانهم الشخصي.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك