حول فقدان الذات وعلاقته الطردية بنمطية المجتمع

575
يتجشم المتملصون من العقلية القطيعية في المجتمع الأحادي الذي يعيشون فيه آلامًا نفسيةً مميتةً قد تودي بهم في بعض الأحوال إلى أمراض نفسية – الاكتئاب، والانعزال عن أفراد المجتمع – إذا لم تتقولب أحوالهم إلى الأسوأ؛ فينصاعون وراء رغبة ملحة تنحو نحو اعتزال الحياة – الانتحار- لمعاناتهم المستمرة في التكيف مع قيم مجتمعية رديئة وزائفة رائجة من المحيطين بهم – الأهل، والجيران، والزملاء، والأساتذة – وعندما يرفضون دعوة التكيف مع هذه القيم المجتمعية – بما تحوية من مبادئ تعتمد على المخادعة والخنوع للمصالح الشخصية – لعدم قناعاتهم بسدادة وجهتها، ينهال عليهم سيل من العبارات المثبطة من قبيل: (أنت هتغير الكون يعني)، و(عيش في الواقع)، التي تكون بمثابة سهام سامة تنغرس في طموحاتهم الشخصية التي تصبو ناحية تغير الواقع الاجتماعي الذي يعيشون فيه من ناحية أولى، وتكشف مكيافيلية - الغاية تبرر الوسيلة - مردديها، وكذب مصداقيتهم المزعومة من ناحية ثانية. كما يدخل المتملصون من أحادية المجتمع في تشابك مع ثنائية؛ تتمثل في القيم المجتمعية المروجة، ومروجي هذه القيم، ويتحول هذا التشابك إلى خصومة تترجم في نظرة ازدراء متبادلة بينهم وبين مرددي هذه القيم، وتتطور هذه الخصومة إلى سجالات فكرية تنشب دائمًا بين حاملي لواء الثورة على القيم المجتمعية، وممثلي التيار اليميني الذين ينظرون إلى حاملي لواء الثورة على هذه القيم نظرة تدعوهم إلى الهداية، والنكوص عن أفكارهم الهدامة، وعندما لم تتم الاستجابة لهذه الدعوة تتحول نظرة الهداية إلى نظرة ازدراء، التي ترد إليهم من حاملين لواء الثورة على هذه القيم بنظرة حاوية لازدراء أفكارهم، بل السخرية منها. يزعم الفارون من هذه النمطية، أن هذا الرُكام لم يتشكل بأحاديته بين عشية وضحاها، بل توجد رابطة سببية بين الأهل والمدرسة، وتكون هذا الرُكام الذي يأتي نتيجة منطقية لهذه السببية التي تتمثل في القيم النفعية والأحادية التي تردد من الأهل والمدرسة آناء الليل وأطراف النهار، فعلى سبيل المثال لم يعبأ معلم المرحلة الابتدائية بنتيجة تهكمه على تلميذ من تلاميذه لتفتق ذهنه ومروقه عن السياق المعتاد للمنهج أو الناموس المرسوم له قبل دخوله مرحلة من مراحل التعليم، وجعله أداة لتلطيف الجو، وتوجيه عبارات له من قبيل (بلاش تتفلسف)، ولم يعبأ أيضًا الأهل بتأثير ردة فعلهم على أبنائهم عندما يأتون إليهم والدموع تذرف من أعينهم لتعرضهم إلى سخرية في منارة العلم من قبل معلم ما من المفترض أن يُعلم طلاب المرحلة الأبتدائية قيم – الثقة وعدم التوجس من الفشل – تنمي فيهم الثقة في ذواتهم على خلق الجديد الذي يتجانس مع طموحاتهم وشخصياتهم ومهاراتهم. كما يزعم الفارون من هذه النمطية؛ أن الرُكام المفعم بالقيم التقليدية وفقدان الذات وعدم الثقة في إمكانية خلق أفكار إبداعية أو السير في درب أخر غير الدروب المفروضة من المجتمع، لا يعتبر المجتمع المحيط – الأهل والجيران والزملاء والأساتذة – هو المسؤول عن تكوينه، بل هو إرث ورث من الأصول مع ارتباط هذا الإرث أيضًا بالفساد والمحسوبية، واستغلال المناصب العامة لمصالح شخصية؛ مما يؤدي إلى جعل هذا الإرث المتمثل في القيم النمطية التي تروج هو الطريق المضمون للسير في حياة هادئة ورغيدة على أنقاض طموحات أبنائهم، الذين يعجنون بقيم المجتمع ويتقبلون هذه الأفكار، بل يورثونها إلى أبنائهم، فتأتي هنا المكانة الاجتماعية المتمحورة حول المال والسلطة على أنقاض الأبداع، وماهية العدالة التي تفتقد، كنتيجة حتمية لمبدأ التوريث الذي يستشري في قطاعات كبيرة من مؤسسات الدولة، لا سيما المؤسسة التعليمية – كأستاذ الجامعة يورث كرسيه الأكاديمي لأبنائه والضابط يورث بذلته العسكرية هو الأخر لأبنائه… إلخ – دون النظر إلى مدى الاستحقاق؛ مما يؤدي إلى تدني المجتمع إلى مهابط مسربلة بفقدان الذات والنمطية ومحدودية التفكير وغياب معنى العدالة بمفهومه السديد.

محمد عيسى

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك