ليس على "محمد رمضان" حرج

262

لم يعرف الإنصاف يومًا، من يُنكر على "الممثل" محمد رمضان موهبته، مع الوضع في الاعتبار إشادات كبار الفنانين به وعلى رأسهم عُمر الشريف (لورانس العرب)، وبعيدًا عن هذا وذاك فأدواره الصغيرة شهدت بذلك –قبل بطولاته-، وهو لم يصبح نجم شباك بالمجاملة، بل فرض نفسه على الموهوبين والجمهور والنقاد.


"رمضان" لم ينتبه لما يُفترض أن يكون عليه، وطامته أنه شغل نفسه بمن حوله أكثر مما شغل نفسه بنفسه، وهو بذلك يضع قدمه بثقة على طريق "الذهاب بلا عودة".


نجاح الفتى الأسمر كان حلمًا لمن يريدون فنًا بلا تزييف، إذ كان "رمضان" فرصة ذهبية لإزاحة الذين جثموا على صدر الفن فاحتكروه بأعمالٍ مكررة تحت مسميات واهية وهي الزعامة والإمبراطورية والجماهيرية وغيرها.


عَشَمّنا "رمضان" فيه، ثم تركنا نسقط من أعلى عليين، ولأنه لم يكن على ثقة في موهبته، لجأ إلى عوامل مساعدة لم يكن في حاجة لها، منها إدخال السياسة في الفن، ليُظهر نفسه في قائمة الممثلين المقربين من السلطة، وهي حيلة لا يلجأ إليها إلا منقوصو الموهبة.


جماهيريته أصبحت مشكوكًا فيها إثر إساءته المباشرة وغير المباشرة لمفهوم "العسكرية"، فدون مبررات خرج على الجمهور ليعلن انضمامه لصفوف القوات المسلحة متمنيًا الالتحاق بالصاعقة وهو أمر طبيعي، ليلتحق بها بالفعل، ليظهر بصور من وحدته العسكرية وكأن معه مصور خاص هناك، وهذه كانت الإساءة غير المباشرة.


صور "الممثل" كليبان يتحدث فيهما عن نفسه، الأول قال فيه أنه "نمبر وان" والثاني "أنا الملك"، وفي الاثنين ظهر بجواره أسود ولبؤات وحريم، مع العلم أن تاريخ تسريحه من الخدمة العسكرية الأول من مارس القادم، وهذه هي الإساءة المباشرة.


بدأ صدماته مع الجمهور بـ"شخرة" أطلقها في أحد أفلامه، ليخرج ابن السبكي -مخرج الفيلم- ليبررها له بأنها لم تكن في الحُسبان، ولم تكن مقصودة، لتبدأ مرحلة جديدة ألا وهي استخفاف "رمضان بجمهوره، إذ أنكر عليهم معرفتهم بالمونتاج ومقص الرقيب والقطع الدرامي.


تعجل الوصول، وهو ما جعله مريض بـ"استسقاء الشهرة"، كلما شرب منها لا يرتوي، وهو ما وضح فيما كشفته جريدة الدستور من أن "رمضان" اشترى مشاهدات مزيفة على "يوتيوب" لمسلسل نسر الصعيد ليكون الأول في حجم المشاهدات في السباق الرمضاني ليقرر بنفسه أن "الصيت عنده أهم من الموهبة".


الأمر ذاته ينطبق على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، فهي في الأساس صفحة كانت تحمل اسم "لا إله إلا الله محمد رسول الله" واشتراها هو بما عليها من "لايكات"، إذ يبدو أنه كان "مستعجل" للظهور على السوشيال ميديا، فيما وثقها في مرحلة لاحقة، ولم يتبين إذا كانت الصفحة وقتما كانت إسلامية ترجع ملكيتها له أم لا.


بعد الحديث عن النجاح المصطنع لنسر الصعيد، يبدو أنه لم يتحمل صدمة افتضاح أمره، فبعدما تحدث البعض عن تقدم بعض الممثلين عليه في آراء النقاد خرج عبر صفحته (المنقلبة) ليقول: "أعلى مشاهدة، ثقة في الله نجاح، نمبر وان ولا عزاء للأغبياء".


تطاوله على زملائه كان بداية ظهور أعراض المرض عليه، والأزمة أنه لم يفكر أحد في علاجه، بل ذهب البعض ليرد عليه، وهناك من برر له أفعاله بتأويلات نفسية وعصبية، لكن الحقيقة أن الواجب كان عدم توجيه اللوم له فليس على المريض حرج، والواجب البحث في حالته التي تتفاقم يومًا بعد يوم، وقد تذهب إلى مرحلة غير مضمونة العواقب.


القول بمرض محمد رمضان ليس تطاولًا عليه ولا شماتةً فيه، وإنما دعوة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه من حياة شاب إن لفظه الفن فهذا لا يعني أن يقضي شبابه في مصحةٍ نفسية، ولماذا لا نقوّمه فنعيده إلى طريق الفن الصحيح، لنجدد به الأمل نحو إزاحة إقطاعيّ الدراما والسينما.


بداية العلاج يجب أن تكون مقارنة مواقف محمد رمضان حينما يكون في كليباته التي يتحدث فيها عن نفسه فتراه صاخبًا يهاجم الجميع، ويتحدث عن عياره وكرباجه وأشياءٍ أخرى عنيفة، أما في البرامج الحوارية فتراه شابًا خجول كـ"البتول"، لا ترتفع عيناه من الأرض إلا للإجابة على السؤال، ولا يخشى ألا يتحدث فيقال هذا الذي لم يتكلم، كما أنه يتقبل النقد ويستمع له بآذانٍ مصغية، فحينما وصفه الكاتب مفيد فوزي بأنه "عجلاتي" لم يغضب، بل استمع لتفسير ذلك الوصف واستحسنه ولم يعلق.


الاضطراب بين الحالين 1 و2 يحتاج إلى تفسير علمي وهو ما تجده في متلازمة البطة، وهي مرض يعاني منه العديد من الشباب -حسب جامعة ستامفورد- وسُميت بهذا الاسم لأن البطة تبدو من فوق الماء هادئة ورصينة بينما تحت الماء تجدف بواسطة أرجلها بصورة محمومة ومضطربة، وهذا هو ما يفعله محمد رمضان حينما يخاطب الناس منفردًا تجده أهوج التصرف، منفعلًا دون داعي، وعند المواجهة "بطة رصينة".


حالة محمد رمضان بعدما تُركت لفترة بلا علاج، من وصف زملائه بالأغبياء ثم "نمبر وان"، ثم أنا الملك كان طبيعيًا أن تتأخر وتكون المضاعفات إصابته بمتلازمة أخرى ألا وهي متلازمة البطرة، وهي حالة تجعل الشخص يفقد الوعي بمن حوله نتيجة إصابته بنوع من "العاجية"، وهي خلل فطري يصيب الفرد فتتضخم ذاته وتتمدد أناه وتتوالي على شخصيته العلل من نحو الغرور والكبر والتعالي ونكران الآخر، فيما تكون حالة المتعاملين مع المصابين بهذه المتلازمة هي شعور بالتقزز والغثيان.


تعود هذه المتلازمة إلى الطبيب البريطاني "جون لانجدون داون" وهو مكتشف المتلازمة التي تحمل اسمه أيضًا، وهنا يكمن الخوف في أن يُكمل رمضان سُلم المتلازمات فبدأها بـ"البطة" ثم "البطرة"، والخوف أن يصل إلى "داون" سريعًا، فاللهم أرزقه بمن يسقطه أرضًا رحمةً به لا بنا.


يبقى الأمل قائمًا في أن يعود "محمد" إلى رُشده، وأن تكون المتلازمة مجرد كبوة للجواد، وكرباج يوقظه فيُدرك أن معركته الحقيقية مع نفسه الأمارة بـ"الكبر".


هناك من يريد له الاستمرار في القول إنه الملك و"نمبر وان"، ويبدو أنهم حقنوه بهذا الفيروس حتى لا يهدد ممالكهم الآيلة للسقوط.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك