شريعة المجتمع : عندما يكافئ المجرم ببقايا الضحية

425

في الأسبوع الماضي اثارنا انتشار خبر مأساوي حدث لفتاة قاصر معاقة ذهنيا ، حيث تم اختطافها من ميدان الجيزة في محافظة القاهرة  من قبل عامل حبسها في مسكنه واغتصبها لمدة شهر كامل ثم تركها ، وعند القبض عليه أخبر والدها بأنه على استعداد للزواج منها ، فوافق الأب حتى ( يستر ) على ابنته !!
في الحقيقة انني أجد صعوبة في كتابة كل مايعتمل في نفسي من مشاعر غاضبة عندما قرأت هذا ، هناك كم هائل من الجرائم في هذه الواقعه والتي تتكرر بشكل أكبر مما نتخيل لتخرج من عباءة الحدث العابر الى ( ظاهرة ) منتشرة على نطاق واسع في مصر، استدراج الفتيات(و المعاقات ذهنيا بشكل خاص) للاعتداء عليهن جنسيا ، ثم عرض الزواج منها عندما يتم القبض عليهم . ظاهرة تحتاج لدراسة مركبة وابعاد مختلفة لتكوين رؤية واضحة عن الأسباب وطرق القضاء عليها . فمن الواضح ان طرق الردع بها العديد من الثغرات .
 ان عقوبة جريمة  الاغتصاب تتفاوت  بين دولة واخرى على حسب سن الضحية وصلة قرابة  المعتدي من عدمها وملابسات الواقعه ، ولكن يمكن حصرها بين الجلد والسجن المشدد لمدد تتراوح بين ال ثلاث سنوات وحتى 30 عاما والإعدام في أغلب الدول العربية . وأن يطلب المغتصب أن يتزوج الضحية  أمر شائع كي يهرب المجرم من الأحكام الجنائية ، وبالفعل عندما يرضى الأهل بذلك كانت تسقط التهم من علية ويخرج من السجن وينفذ من العقوبة ومن الملاحقة القضائية ،حتى جاء عام 1999 وتم فيه الغاء هذا البند حيث الغى القانون الجنائي المصري المادتين رقم 290 – 291 وهي المواد المتعلقه بإعفاء المغتصب من العقوبة اذا تزوج المجني عليها ، وتبع مصر في ذلك باقي الدول كتونس ولبنان والأردن والمغرب. الا ان ذلك لم يشكل رادعا قويا للحد من هذه الظاهرة ، فهناك ثغرة كبيرة تسمى ( المادة رقم 17 من قانون العقوبات ) والتي تنص على : أنه يجوز فى مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة بتبديل العقوبة". و تستخدم الرأفة فى تبديل العقوبة على الوجه الآتى:
1ـ عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المشدد.
2ـ عقوبة السجن المؤبد بعقوبة السجن المشدد أو السجن.
3- عقوبة السجن المشدد بعقوبة السجن أو الحبس الذى لا تجوز أن تنقص عن 6 أشهر.
4- عقوبة السجن بعقوبة الحبس التى لا يجوز أن تنقض عن 3 أشهور. وبالتالي فان هذه الماده 
 تعطي للقاضي سلطة استعمال الرأفة في أقصى درجاتها مع المجرم وفي حالتنا هذه هو المغتصب  اذا وافق أهل الضحية على زواج ابنتهم من مغتصبها وهذه هي الثغرة التي دائما يفلت من خلالها كل مغتصب بفغلته وارجح انها من أقوى اسباب توالي حالات الإغتصاب حتى يومنا هذا . 
ولكن اللوم الأكبر هنا لا يقع على القانون بقدر ما يقع على أهل الضحية المغتصبة ، الذين يمدون يدالعون للمجرم ليعبر من هذه الثغرة غير عابئين بأنهم يذبحون ابنتهم بنفس اليد . فحتى هذا اليوم مازال الأهل يوافقون على عرض زواج المغتصب المجرم من ابنتهم خوفا من كلام الناس وسترا على المغتصبة ، وبحجة ( لم الموضوع ) فانهم يسحبون شكواهم من النيابة ويمضون على الصلح اذا تزوج المغتصب من الضحية  حتى وان كانت من ذوي الاحتياجات الخاصه وحتى ان كانت قاصرا فانهم يتمون زواجها عرفيا حتى تصل للسن القانوني !!! وبالطبع تختفي وقتها أي شروط أو فروقات مادية او اجتماعية او عمرية بين الجاني والضحية ، مكافئة عظيمة للمجرم أن ينتهك جسد فتاة ثم يزف اليها تحت رضى وقبول المجتمع والقانون ليكمل انتهاكاته بالشرع والقانون ويتلذذ بها ماتبقى من حياته بلا اي تعب او مجهود. كل هذا بسبب الفكر القاصر للمجتمع عن مفهوم الشرف الذي يختزلونه بين فخذي الفتاة ، وكأن الفتاة سلعة يغلوا ثمنها بغشاء بكارتها فقط ..فقط ، تباع وتشترى على أساسه ، فاذا ماتم انتهاكه اهدروا حقها بدم بارد ، حقها في ان لاتعيش ذليله لرجل لم يرها سوى أداة للجنس ولشهوته ، واستباح خطفها واجبارها على الجنس بالضرب والتقييد والتخويف والترهيب ثم رميها للشارع لتواجه وحدها مصيرها الأسود والعيش في رعب دائم وذل وكسرة وصدمة وقهر وغضب قد يقلب حياتها بكاملها ويحولها لأنسان اخر او لبقايا انسان . ان الناجيات من الاغتصاب والعنف الجسدي لا يقدرون وحدهم الخروج من هذه الحادثة التي تمتد اثارها لسنوات من عمرهم ، كل طرقهم في النسيان والتعايش تفشل اذا لم يساندهم ذويهم ، قد يشوهون جسدهم بالات حاده او يكررون محاولات انتحار مختلفه لان التجربة ليست سهله وليست بسيطه ولاتكمن فقط في غشاء البكارة الذي تخافون عليه خوفكم على أعينكم ، انها انسانه لها حق بل منتهى الحق في جسدها ولها الحق كل الحق في الانتقام من كل يد تمتد عليه عمدا وغصبا لذلك لايمكنكم ببساطه أن تحملوها ثمن جريمة وقعت عليها وتزوجوها من منتهكها لتعيش معه في بيت واحد طوال حياتها وتعطوه الحق بذبحها كل يوم بسبب خوفكم من الناس ! أي أناس هؤلاء معدومي القلب والرحمه الذين يلحقون المغتصبة بالعار والفضيحه وهي الضحية المذبوحه الأولى بالرحمة والشفقه ؟ كل هذه المفاهيم الخاطئة عن الشرف والعار وشريعة المجتمع الخاطئة هي التي تشجع على انتشار جريمة مثل الاغتصاب والعنف الجنسي والأولى أن نشجع بناتنا على عدم الخوف من الكلام والتبليغ اذا تعرضن لمثل هذه الانتهاكات لان المجرمين أيضا يعتمدون على تخويفها من أهلها بأنها ستلحق بهم العار فيتمادون في جرائمهم . وليلحق العار كل أب باع ابنته لمغتصبها وتهاون في حمايتها والانتقام لها خوفا من الناس .

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك