المطلقة .. من حالة اجتماعية إلى وصم مجتمعي

348


  زوج حنون .. بيت دافئ ..أسرة صغيرة سعيدة ... مثلث أحلام الفتيات منذ المراهقه.. تنظر الى أيامها المتتابعة منتظرة شريك الحياتها الذي سيشاطرها الباقي من أيام عمرها ليملأها فرحا وحبا.. تحلم بالبيت الذي ستختار أثاثه بعناية لتنسج مملكتها التي تنشد فيها السكون والأمان ’ تنتظر بلهفة يوم عرسها الذي ترتدي فيه فستانها الأبيض متأبطة ذراع زوجها وسط دموع والديها وتهنئات أقاربها ودعوات اصدقائها برغد العيش والذرية الصالحة.. وسط الفرحات والضحكات وبعينين تلمعان سعادة وشغفا وروح ملؤها التفاؤل تبدأ معه رحلتها في مركب واحد ليشقان به  بحر الحياة .بعض المراكب تنساب مع الموج صعودا وهبوطا بسلاسة صنعتها المشاركة والتعاون والصبر والتسامح والود.. والبعض الأخر تتكسر أشرعتة وترسوا على موانئ الطلاق .

العودة الى نقطة تحت الصفر :

وكما يكون لوقع كلمة " تتجوزيني" على الفتاة من غبطة وسعادة.. 

فإن وقع كلمة "انتي طالق" ليس هينا ابدا على اي امرأه ’ فسواءا وقع الطلاق سلميا او بعد نزاع  ’ فان حصول المرأه على لقب مطلقة في مصر ماهو الا بداية حياة من الصراعات المتلاحقه  ’ أولها وأشدها هو مرحلة صدمة ما بعد الطلاق ..لن يعود أي شئ كما كان سابقا .. شعور عارم بالغضب والكسرة والانهزام .. ألم يعتصر القلب وذكريات تبقي الجرح غير قابل للالتئام .. خوف من مستقبل مجهول مظلم أطفأ أضواءه الأهل والأصدقاء والمجتمع .. فقدان الشهيه  والافراط في السهر او الافراط في النوم والانغلاق على النفس خوفا من العالم الخارجي ..وحدة قاتله و الرغبة في القوقعه حد الاصابة بالاكتئاب .. فكر مشتت واحباط سببه ضياع الأحلام الوردية والاستقرار الاسري.. شعور قوي بالظلم والرغبة المستمره في البكاء فتصبح هشه ضعيفة لا رغبة لها ولا قوة لبداية حياة جديده .. كل هذه الضغوط النفسية تتعرض لها النساء بنسب متفاوته بعد الطلاق.. قد تأخذ تلك الحاله أسابيع عده او شهور حتى تحاول المرأه ان تلملم شتات روحها وان تستجمع قواها مرة اخرى .. ولكن وللأسف فليس ضعف النفس هو عدوها الوحيد الذي عليها مواجهته.

سجن اللقب : 

الزواج في المجتمع المصري هو المعيار الوحيد لنجاح المرأه وحسن سلوكها.. ذلك لان الموروث الإجتماعي الذي نشأت عليه معظم الأسر المصرية ان الفتاةيجب ان تتزوج .. يجب ان تعيش في كنف رجل ..يجب ان تربى جيدا وان تتعلم جيدا لكي تتزوج زيجة جيده.. وسواءا كانت لها رغبة في الزواج ام لا..  فان هذا هو معيار المجتمع لنجاحها او فشلها كفرد من المجتمع.

لذلك لا ينظر مجتمعنا الى  المطلقة بعين الرحمه او الشفقه ففي الوقت الذي يجب أن يكونوا عونا وسندا لها لكي تستطيع استبدال الماضي بالمستقبل ويعاونوها في النهوض على قدميها نجدهم يقومون بتقييد قدميها عمدا .لا يحق لها ممارسة حياتها بشكل طبيعي.. فالمطلقه التي تعود الى منزل والديها بعد الطلاق تجد نفسها داخل سجن من نوع مختلف .. انه سجن اللقب .. لقب مطلقه الذي يعيدها لمرحلة ما قبل الزواج من المنع  من الخروج من المنزل وتحكمات في العمل ونوعه وتحكمات في المظهر والشكل وطريقة التعامل مع الناس او الظهور في المناسبات العائلية ناهيك عن نظرة ذويها المحملة باللوم لها واتهامها بالفشل وتعاملهم معها وكأنها عبء يثقل كاهلهم وقنبلة موقوته قد تلحق بهم العار في أي وقت. 

ولا يختلف الحال كثيرا اذا اتيح للمطلقة ان تعيش في سكن بمفردها ، بل ان الوضع هنا يزداد تعقيدا .. اذ لا يوافق المؤجرين ( واحيانا الجيران ) ان تسكن عندهم مطلقه سواءا بمفردها او مع اطفالها ، ويعود ذلك بسبب وصم المجتمع للمطلقة ووضعها دائما في موضع الشك والاتهام .. فالسبب في طلاقك وانفصال زوجك عنك هو انتي بالتأكيد .. ثمة أخطاء ارتكبتيها لتصبحي وحيدة وبمفردك .. لذا ستوضع تحت النظر والملاحظه وتنتشر حولها الأقاويل ويتباحث الجيران في ادق تفاصيل حياتها .. تلاحقها النظرات والهمهمات ... يراقبها نساء الجيران ورجال الشارع في حالة استنفار ونظرات احتقار وجلد مستمر ... يتجنبون الحديث او الاختلاط معها ..وكأنها كائن من كوكب اخر يحمل وباءا قاتلا.. ولا يختلف الحال كثيرا مع أصدقائها في العمل ، فتتجنبها الفتيات خوفا على سمعتهن ان اختلطوا بمطلقة .. ويبتعد عنها المتزوجات خوفا من ان تخطف ازواجهم ، اما الرجال فهم على النقيض تماما.. اذ انهم لا ينفكوا من محاولة التقرب للمرأه المطلقه ..فهم يعلمون جيدا انها في حالة صراع دائم بسبب طلاقها ، اما صراعا مع نفسها او مع المحيطين بها .. وان طاقتها قد استهلكت من النزاعات وروحها تتوق للحظات من الحب والأمان والراحه ..وخلف تلك الابتسامه الواهنه يوجد بالتأكيد رغبة مستعرة مكبوته ,انتي امرأة بحاجة الى المال والجنس والحرية والحب وأنا اعي ذلك وسأقدمه لكي دون الدخول في تعقيدات ارتباط او زواج او أطفال ، فيطرقون كل مداخلها علهم يستطيعون النفاذ من أحدها ويحصلون على مبتغاهم.


صعوبة تغيير اللقب:

بسبب كل ما عرض سلفا،  من السهل علينا ان نستنتج كيف يكون الحال اذا قررت المطلقة ان تقبل على فكرة الزواج مرة اخرى ، فأهلها يضغطون بكل الطرق كي توافق على عروض الزواج من المطلقين مع اطفالهم أو من يريدون زوجة ثانية ويقبلون بأقل الشروط دون مراعاة لمشاعرها او رغبتها في القبول والرفض فلن تسنح لكي مثل هذه الفرصه مرة اخرى و ( ظل راجل ولا ظل حيطه ) هذه الطريقة التي ماهي الا اول حجر في بيت أخر سيهده الطلاق ايضا. أما اذا  وقع في حبها شاب اعزب لم يسبق له الزواج فتلك هي الطامه الكبرى .. اذ انه من المستحيل ان يقبل أهله بأن يتزوج ابنهم من مطلقه سبق لها الزواج ، قد يكون ذلك بسبب تحميلها لفشل زواجها السابق والذي لا يهمهم هل كان السبب الإجبار ام الخطأ في الاختيار ، او قد يكون السبب هو الصورة السيئة التي ترسم حول المطلقة بعد طلاقها من فساد الأخلاق والافراط في الحرية وكثرة الإشاعات ، وحتى لو لم تكن كذلك فهذا لن يغير من الواقع في شئ فلن يرضوا له بغير البكر ، قد يقاطعونه شهورا وسنينا حتى يرضخ لهم ويعدل عن زواجه بها فقط لأنها مطلقه .. اما القلة القليلة التي قد تقبل على مضض فإنهم يبخسونها حقوقها قدر مايستطيعون .

وعلى الرغم من كل ذلك ، نجد ان نسبة حالات الطلاق في مصر آخذة في الارتفاع عاما تلو عام.. فقد ازداد وعي المرأه بحقوقها وتفتح فكرها على نجاحات اخرى تسعى وتريد تحقيقها .. وانها تستطيع ان تحقق ذاتها في مجالات شتى وليس فقط في زواج وتكوين اسره... بدأت تدرك انها ليست تابعا للرجل انما هي شريك له .. وان الزواج ليس هدفا نكافح للوصول اليه ولا نكون بدونه، انما هو شكل اجتماعي لمن يريد ان يدخل في اطاره على ان لا يمنعنا من تحقيق ما نريد أن نكونه. وعلى المجتمع ان يعي ان الطلاق حلال شرعا ..فان استحالت العشره والتفاهم كان التسريح باحسان هو الحل الأمثل..ليس هذا عارا وليس وصما وليس مقياسا للنجاح او الفضيله او حسن الأخلاق.. انما هي تجربة من تجارب عديده تمر بها قد تنجح وقد تفشل فلا توقفوا حياتها على أعتاب الطلاق ولا تحفروا الحفر وتصنعوا العثرات .. فمازال طريق الكفاح طويل.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك