لماذا يهاجم الرجال حملات "مناهضة التحرش"؟!

513


ظهرت مؤخرًا جدالات مجتمعية حول تصنيف الأفعال الجنسية وأخرى حول كيفية التمييز بين التراضي والقبول من الطرف الآخر مُتلقّي الفعل، وجدل حول مفاهيم مثل التحرش الجنسي ومقولة (نعم تعني نعم ولا تعني لا) وإذا كانت "نعم" بالفعل تعني "نعم" وكيفية سير السياقات العامة والخاصة فيما يخص إنتهاك أجساد النساء.


ولنبدأ هنا بهذا السؤال، هل يعِي المتحرش الجنسي كونه متحرش جنسي بالنساء وأن ما يفعله جريمة مجتمعية؟ 

والإجابة هيَ أنّه بالطبع يعلمُ جيّداً، لأنه لا يوجد أحد يستطيع التصديق بأن هناك شخص بالغ عاقل لا يستطيع التمييز ما إذا كان لمسه شخص آخر ضد رغبته أو مضايقته بكلام أو أفعال تحمل طابعاً جنسياً هو تحرش جنسي أم لا!!. 


وبالتالي فالحديث عن عدم وعي الرجال بمضمون وحقيقة قضية التحرش الجنسي سيوصلنا إلي إحدى الفرضيتين اللتين لا ثالث لهما،

الفرضية الأولى وهي إعتبار الرجال في مجتمعاتنا أشخاص فاقدي للأهلية العقلية والإدراك الحسي للدرجة التي يجهلون فيها أبعاد المساحات الشخصية للنساء والأضرار الواقعة على النسوة من كل ممارسات التحرش الجنسي سواء كانت مادية أو معنوية ونفسية.

أما الفرضية الثانية وهي إستباحة أجساد النساء بالكامل من منطلق ذكوري بحت يتلخص في امتلاك الرجال لسلطة مجتمعية كاملة علي أجساد النساء، وهي عندهم إستباحة مستحقة وفقا لأعراف وتقاليد النظام القديم حيث المرأة خادمة أو جارية؛ وبالتالي عدم استيعاب الرجال لرفض النساء للمساتهم الغير مرغوبة أو انتهاك المساحة الشخصية لأجسادهن والتي هي في الأصل أفعال غرضها السيطرة على النساء المحيطات واستعراض الذكورة تحديداً، وهذا يشبه ممارسات ذكور الكلاب أثناء التبول على أطراف مساحات الأرض التي يعيشون بها بهدف فرض سيطرتهم علي هذه المساحة الأرضية التي يعلنون للكلاب الأخرى من المناطق المجاورة بامتلاكهم لها.

في بعض الأحيان نرى من الرجال تصرفات مماثلة؛ كأن يضع فلان يدهُ على رأس فلانة أو كتفها برغم كونهم غير مقربين لبعضهم البعض أو كما يعبّر الكثير من الرجال : فلانة (تخصني أو تبعي)،

 وغيرها من الأفعال المختلفة والتي يرجى منها إعطاء الناظر إيحاءً بأن هؤلاء النسوة من ممتلكات فلان، وبالطبع يحدث هذا بطريقة غير مباشرة بحيث يكون من الصعب على البعض التمييز إلّا الواع بالأبعاد الجندريّة وسياقات إنتهاكها.


هل "نعم" تعني "نعم" وهل"لا" تعني "لا"؟؟


الحقيقة هي أن الأشخاص الذين بدأوا هذا الجدال منذ بداية انتشار إشكالية (نعم تعني نعم) كان هدفهم الأساسي أن يتساءلون عن وُجوب توقيع عقد "شفاهي/مادي" قبل الممارسة الجنسية الرضائية من عدمُه وهل نعم كفيلة بتحديد سير العملية الجنسية أم لا. 

وأقتبس هنا من كلام الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك :

 "و(نعم) لأي نمط من أنماط النشاط الجنسي هي التي تُعتبَر نعم صريحة؟ وهل ينبغى الآن أن يكون العقد أكثر تفصيلا، وبالتالي تُحدَّد نقاط القبول الرئيسية: نعم للجنس المهبلي ولكن لا للجنس الشرجي، نعم للعق القضيب ولكن لا لبلع المنى، نعم للضرب الخفيف علي المؤخرة ولكن لا للضربات العنيفة!؟" 

من كلام "جيجيك"يتضح لنا أن إشكالية (نعم تعني نعم) كان الهدف منها هو تحديد المقبول والغير مقبول أثناء سير العملية الجنسية الرضائية وللتفرقة بين إذا ما كانت عملية جنسية بالتراضي أو بالإغتصاب. 

يتم إثارة تلك الجدالات من منطلق ظاهره حماية الرجال حتي لا يتم وصم أحد منهم أو اتهامه بالتحرش الجنسي ظلماً أو عن طريق الخطأ، ولكن للأسف الشديد هذا المنطلق مضمونه نقل تلك المقولة لإطار محاولات تقييم الفعل الجنسي الصادر من الرجل وإذا كان يجب تصنيفه كتحرش جنسي أم لا،

وصولا إلى محاولات التطبيع مع (لا من الممكن أن تعني نعم) وهي محاولات تحدث بهدف التشويش علي أهمية تأكيد رفض النساء في تحديد ماهية فعل التحرش بل إنتهاك حقوقهن في رفضه من الأساس.

وأثناء هذة النقاشات يتم عن قصد تناسي السياق العام في مصر تجاه أوضاع النساء وممارسة العنف الجنسي ضدّهنّ، حتى أنّه يتم في بعض الأحيان مقارنة أوضاع الرجال بأوضاع النساء خلال المبادرات الجنسية ما يعتبر غيرعادل ولا يخضع لأبسط قواعد المنطق. 


حينما يجتمع التحرش الجنسي مع إساءة استخدام النفوذ


وهذا مايحدث حينما يكون المتحرش مشهور أو ذا سلطة أدبية/معنوية على الضحية فعندما يثار الجدل حول حادثة يكون المتهم بالتحرش الجنسي فيها شخص يتمتع ببعض النفوذ الإجتماعي وتتضامن معه أغلبية من جمهوره أو أصدقاءه كما حدث مؤخراً مع لاعب المنتخب المصري عمرو وردة حينما تمّ اتهامه لستّ مرات بالتحرش الجنسي منذ عام ٢٠٠٥ حتى الآن، وقد تم تداول أدلّة التحرش الجنسي على جميع المواقع الإخبارية وكانت الصدمة في ردّ فعل الجمهور الذي بدى متخاذلاً للغاية بل أعلنوا دعمهم غير المشروط للاعب، ناهيك عن دعم زملاءهُ في الفريق وتحديدا لاعب ليڤربول المصري (محمد صلاح) والذي كان منذ شهور قليلة فقط يصرّح لمجلة تايم الأمريكية عن سوء وضع المرأة المصرية بتصريح قال فيه "أعتقد أن علينا تغيير الطريقة التي تتعامل بها ثقافتنا مع المرأة"، 

ولكن عندما تعلّق الأمر بأحد زملائه، دون (صلاح) بضرورة الفرصة الثانية وعدم إرسالهُ إلي المقصلة، رغم كونها المرة السادسة التي يتم فيها توجيه اتهامات بالتحرش الجنسي للّاعب المصري (عمرو وردة) ما دَفع (إيهاب لهيطة) مدير المنتخب المصري في هذا الوقت بالتراجع عن موقفه وإعادة اللاعب المتحرش إلى صفوف المنتخب المصري مرّة أخرى بعدما كان قد تم استبعاده. 

وهنا نتساءل إذا لم يهتم اتحاد الكرة المصري بقيادة (هاني أبو ريدة) بفتح تحقيق واسع في حادثة اتّهام لاعب المنتخب الوطني بالتحرش، فما هو موقف الإتّحاد من السيدات اللواتي يلعبن رياضة كرة القدم النسائية في مصر وبالتأكيد يتعرّضن للعنف والمضايقات والتحرش الجنسي والتي بالتأكيد تصل أحياناً للمطالبة برشاوي جنسية في بلد تحتل المركز الثاني على مستوى العالم في إحصائيات التحرش؟؟ 


هيستيريا عدم القدرة على تصنيف أفعال التحرش


نسمع كثيراً اتهامات موجّهة للنساء بالهستيريا الناتجة عن التعرّض للتحرش بشكل مستمر وعدم القدرة علي تمييز التحرش الجنسي من الملاطفة العادية بالرغم من أن المنطق يقول بالعكس تماماً فإن تعرّض النساء للإنتهاك المستمر يتسبب في زيادة وعيهن بقضايا العنف الجنسي وبالتأكيد القدرة علي التمييز ما إذا كان الفعل المَعنى هو انتهاك للمساحة الشخصية لأجسادهن أم لا.

تلك الجدالات التي تهدف لنزع الأهلية عن النساء في القدرة على تصنيف الفعل ما هو إلّا محاولة لإرباك الموقف ولترويع النساء من عواقب غير محمودة نتيجة للكلام الصريح عن تعرّضهنّ للعنف الجنسي وهي ممارسة مشبعة بتغذية خوف النسوة من أن يتعرّضن للإتهامات بالهستيريا الجماعية وعدم القدرة على إدراك الحقائق، على النقيض تماما من موقف الرّجال الخائضين في هكذا جدليات والذي يبدو بداهة أنهم لم يختبروا الإحساس الدائم بانتهاك اجسادهم. 

بالتالي ليس من الإنصاف أو العدل أن يقوم جملة الرجال بتحليل تصرفات "الرجال" تجاه النساء وتصنيف أفعالهم ما إذا كانت إغتصاب أو تحرش جنسي أو مجرد عشم برئ.


لماذا يهاجم الغالبية العظمي من الرجال حملات مناهضة التحرش؟؟ 


في الوقت الذي تبذل فيه الحركة النسوية جهداً غير مسبوق في التوعية بقضايا المرأة والجنسانية، يطل علينا أغلبية الرجال (حتى داخل أوساط المثقفين) لتسخير جهودهم في مواجهة الحركة النسوية ونقدها ومحاولة دحضها والتسفيه المتعمّد لقضية العنف الجنسي في مصر، وأيضاً محاولات الإستهزاء بالناشطات النسويات واتهامهنّ بالمبالغة وابتذال قضية التحرش وغير ذلك من الإتهامات الكثيرة التي تنهال علي قضايا النساء في مصر؛ وكل هذا فقط يحدث خوفاً من خسارة الإمتيازات الذكورية التي يتمتّعون بها كذكور مصريين ولمحاولاتهم المستميتة للدفاع عن نفوذهم في المجتمع حتّى تبقي موازين القوى كما هي لصالح الرجل وحتى يظل الرجل في المرتبة الأعلى في هرم السلطة الإجتماعية في مصر، ولأنهم ببساطة يرفضون كلية سحب حقهم المزعوم بالتحرش الجنسي ومضايقة النساء، ولشعورهم أيضاً بالإستحقاق في اختيار ضحاياهم من النساء واستخدام التحرش الجنسي كوسيلة لتحييد النساء عن تواجدهنّ في الفراغ العام.

ولا يحق لهؤلاء النسوة الرفض أو التعبير عن الإستياء، وبالتالي إحباط محاولات دحض بنية القهر التي تؤدي للتسامح والتساهل مع انتهاك أجساد النساء وتعنيفهن جنسياً في مصر.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك