الحبس الاحتياطي المطول شكل جديد للاعتقال مفتوح المدة

414

قبل ثورة يناير 2011 كان بيحكم مصر القانون 162 لسنة 1958 المعروف بقانون الطوارئ، ودا القانون اللى أصدره جمال عبدالناصر وقت الوحدة بين مصر وسوريا، وهو القانون الخاص بإعلان حالة الطوارئ فى حالات الخطر والحرب والكوارث، ويتيح منع الاجتماعات ومراقبة المراسلات والحجز والمنع والمصادرة وفعل كل شيء وأى شيء دون قيود أو رقابة أو محاسبة، وكذلك يحيل القضايا لمحاكم أمن الدولة اللى بيكون حكمها بات دون درجات تقاضي، ويكون فقط من حق رئيس الجمهورية تخفيض الحكم، وهو نفس  القانون اللى كان بيتيح لرئيس الجمهوية أو من يفوضه اعتقال أي شخص لأي سبب دون مدة محددة ودون التزام بقانون الإجراءات الجنائية الطبيعي.
 والاعتقال بشكل عام ومبسط هو إجراء أمني ( وليس قضائي) يتم اتخاذه فى ظروف استثنائية لا تتيح فرصة استجماع الأدلة القاطعة على الاتهام، بهدف حماية المجتمع ( أو هكذا كانوا يقولون). 
  ولم يتم إلغاء حالة الطوارئ بعد الثورة، ولكن فى يناير 2012 أصدر المجلس العسكرى قرار بتعطيل حالة الطوارئ السارية منذ تولي مبارك الحكم فى 1981، إلا فى حالات البلطجة، وبشكل عام كانت حالة الطوارئ سارية من 30 مايو 2010 حتي 30 مايو 2012، بعد تصويت برلمان 2010، على تمديد العمل بقانون الطوارئ، ولم يتم وقف العمل بقانون الطوارئ فعليًا إلا فى 30 مايو 2012 عندما لم يقم المجلس العسكرى بتجديد حالة الطوارئ قبل الانتخابات الرئاسية. 
 وظلت مصر دون قانون طوارئ لفترة، لغاية ما تم إصدار الإعلان الدستورى لمرسي في نوفمبر 2012، واللى كان فقرة عن إجراءات استثنائية لا تختلف عن قانون الطوارئ، بالإضافة لفكرة تحصين قرارات رئيس الجمهورية اللى أثارت ذعر كل الناس وساهمت فى تكتل الجميع ضد حكم الإخوان بداية من هذا التاريخ.
 وفى يونيو 2013 أصدرت المحكمة الدستورية حكم ببطلان المادة 3 من قانون الطوارئ، وبذلك لم يعد هناك سلطات ممنوحة لرئيس الجمهورية أو السلطة التنفيذية للأمر بالاعتقال مرة أخرى، ويقال- من بعض الباحثين القانونيين-  إن المحكمة الدستورية حكمت الحكم ده فجأة بعد 20 سنة من الطعن فى دستورية قانون الطوارئ بهدف تقويض إمكانية الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان فى إعادة استخدام سلاح الاعتقال مرة أخرى ضد خصومهم كما كان يفعل مبارك ومن سبقوه. 
 ولكن إلغاء مواد الاعتقال من القانون سببت مشكلة بعد 3 يوليو 2013، مابقاش فيه اعتقال، إزاي هايقدروا يحبسوا العدد دا كله؟ لكن أكيد مش هايغلبوا، ولذلك كان التعديل اللي اتعمل في عهد عدلي منصور، واللي سمح بفتح فترات الحبس الاحتياطي إلى ما لا نهاية خصوصا في القضايا اللي ممكن يكون فيها حكم مؤبد أو إعدام. 
 
والجدير برضو  بالذكر إن مبارك كان عمل تعديل في قانون الإجراءات الجنائية  عام ٢٠٠٦ يحدد مدة الحبس الاحتياطي ب3 شهور في حالة عدم الإحالة و ٦ شهور كحد أقصى فى حالات الجنح، وسنتين كحد أقصى في حالة الجنايات اللى ممكن يتم الحكم فيها بالمؤبد أو الإعدام، ويقال برضو إن التعديل ده كان نوع من أنواع الشكل الليبرالي /أو الديمقراطية الشكلية اللي كان مبارك حريص علي إظهارها أمام الغرب. 
 
و للتذكير برضو لازم نعرف إن الحبس الاحتياطى بيكون اجراء قانوني/وقائي، بيلجأ له  وكيل النيابة أو القاضي في حالات محددة : أولا إن يكون فيه أدلة أو شواهد على إدانة المتهم، وتحتاج للتحقيق، وممكن يتم الحبس الاحتياطي بهدف الخشية من قيام المتهم بتدمير الأدلة مثلا، أو الخوف من إمكانية تأثير المتهم علي الشهود، أو في حالة عدم وجود محل إقامة أو عمل معروف للمتهم، أو في حالة استشعار إمكانية هروب المتهم، أو في حالة الخوف على المتهم من انتقام الآخرين، أو بسبب وجود خصومة ثأرية مع المتهم. 
 
لكن كل ده فى إطار قاعدة إن المتهم بريء حتي تثبت إدانته، أو هكذا يفترض، لكن للأسف الشديد أصبح الحبس الاحتياطي مفتوح المدة هو بديل الاعتقال بتاع زمان، كل أما حد ينتقد الاعتقالات فى مصر يطلع مسئول حكومي يزعم إن مفيش معتقلين فى مصر، لكن مابيقولش إن فيه محبوسين احتياطيًا منذ سنوات بتهم غير حقيقية أو غير منطقية.

النيابة بتستسهل الحبس الاحتياطي بناء على محضر تحريات دون أى دليل حقيقي، وكذلك المحكمة بتستسهل الحبس الاحتياطي، وكله بيرمي على التالي، ومحدش بيحط فى اعتباره إن الشخص المحبوس ده عنده أسرة وأولاد ومسئوليات وشغل ومصدر دخل انقطع، ممكن يكون مريض، أو حد من أهله بيعاني من مرض، وماننساش كمان إن فيه عدد ضخم بيتمسك بالغلط او بناء على خلط أو وشاية كاذبة، قرار الحبس سهل,لكن قرار الإفراج أو تحقيق العدالة صعب، مفيش جهة هتحاسب حد بسبب قرار حبس ظلم، لكن كله بيخاف من تصحيح الخطأ، كله بيخاف من غضب من هو أعلى منه فى المنصب أو الرتبة، وآلاف بيتنسوا فى السجون على الحال ده.

المتهم برئ حتي تثبت إدانته،  الكلام دا ع الورق فقط ن حتى المحبوس احتياطيًا (اللي المفترض إنه برئ حتي تثبت إدانته) بيتعامل فى السجن زيه زى المحكوم عليه، الفرق فقط هو لون البدلة، حقوق كتير منصوص عليها فى اللائحة بيتم حرمانه منها،  لإنه مسجون سياسي، مع إن الدستور المفروض بيقول إن الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقًا لأحكام القانون ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطي (م 41 من الدستور).  وكل مواطن يُقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأي قيد تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، كما لا يجوز حبسه أو حجزه في غير الأماكن الخاضعة للقانون الصادرة بتنظيم السجون، وكل قول يثبت أنه صدر من مواطن تحت وطأة شيء مما تقدم أو التهديد بشيء منه يهدر ولا يعول عليه (م42 من الدستور).  


في نوفمبر 2013 تم إصدار قانون التظاهر اللي اتحبس بسببه آلاف الشباب، وفي 2014 تم تعديل وتشديد عقوبات بعض التهم والأفعال لتسمح بحبس احتياطي بدون حد أقصى، ليتحول الحبس الاحتياطى لعقوبة في حد ذاتها مش مجرد احتجاز بهدف حماية الأدلة، حبس احتياطي مفتوح المدة، هدفه فقط الانتقام وإسكات الأصوات، دمر آلاف العائلات، زود الشرخ فى المجتمع، حبس احتياطي زود الخصومة، وكدس الناس فى السجون، فكان الحل عندهم هو بناء سجون جديدة، بميزانيات جديدة ومصروفات تأمين زيادة، وماننساش الناس اللى بتتعلم الإجرام جوا السجن، واللى بيتحولوا لدواعش جوا السجن، آلاف وآلاف بيتحولوا للأسوأ داخل السجون.

فى الدول المتقدمة اللى فيها ديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان، واللى تقدمت وأصبحت دول عظمى بسبب الديمقراطية وحقوق الإنسان والفصل بين السلطات وتطبيق القانون على الجميع، وهى نفس الدول اللى بنستورد منها كل شىء، زى السلع الصناعية والتكنولوجيا، وبنستورد منها السلاح وبناخد منها معونات طول الوقت.. الدول دى بدأت من زمان فى حاجة اسمها العقوبات البديلة، ليه يحبسوا ناس و يصرفوا عليهم مصاريف مهولة فى السجن طالما أول مرة يتورط فى جريمة، طيب ما ياخد فرصة تانية، وليه يتحبس ويعطل وليه المجتمع يخسر مجهود أو كفاءة طالما ممكن يقضي فترة العقوبة فى خدمة المجتمع، ليه يكون فيه حبس وتدمير للأسر وتعطيل للطاقات طالما فيه عقوبة بديلة ممكن تتطبق زي الإقامة الجبرية مثلا؟ أو زي سوار تحديد المكان، أو زي الخدمة العامة، أو زي دفع غرامات وإصلاح ما تم إتلافه؟

المفترض إن جوهر فكرة الحبس الاحتياطي للمتهم هو إجراء احترازي وحماية، ولا يؤخذ إلا كآخر اختيار وفي حالة وجود دليل شبه مؤكد، لكن في مصر أصبح الحبس الاحتياطي عقوبة في حد ذاته، عقوبة غرضها الانتقام فقط لا غير، غير مطروح في مصر لغاية دلوقتي فكرة العقوبات البديلة من الأساس، رغم إن العقوبات البديلة بتوفر ميزانية الدولة وبتخفف العبء عن وزارة الداخلية، وبتدي فرصة للمراجعات، وبتقليل الاحتقان والغضب المكتوم اللي بين الناس والسلطة، وبتحافظ علي العائلات وتماسكها، ومش بتهدر الكفاءات والعقول والمجهودات اللي محتاجها المجتمع واللي بتضيع بسبب الحبس الاحتياطي والرغبة في الانتقام والتنكيل بالمعارضين.

لكن برضه حتى لو القانون المصري أصبح فيه عقوبات بديلة هاتفضل المشكلة في التطبيق والعقلية اللي بتنفذ القانون، لإن عقوبات تكميلية موجودة بالفعل في القانون زي المراقبة المسائية أو زي التدابير وبيتم تطبيقهم بأسوأ الأشكال، بيتحولوا من إجراء احترازي أو عقوبة تكميلية غير سالبة للحرية، وبيتحكموا فيها الاهواء ومزاج الظابط أو عقده النفسية، وبتدخل فيها عوامل كتير ممكن تحولها لعقوبة أسوأ وأسخف من السجن.

طب والحل؟ الحل إن القوانين دي تتعدل، يرجع الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وتتحط ضوابط، وترجع سلطة الحبس لقاضي التحقيق وليس النيابة اللي بتمثل الاتهام، ويتم إضافة العقوبات البديلة للقانون المصري، والأهم من دا كله إن يكون فيه إرادة سياسية ومجتمعية لحل الأزمة ولتحقيق العدل، ودا لِسَّه بدري عليه.

 
 

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك