انتحار صاحبة البوست

358

"أنا لو مُت وقلبتوا في بروفايلي في يوم م الأيام وشوفتوا البوست ده، أنا لوحدي وكنت لوحدي وهبقي لوحدي مع كامل احترامي لأي حد في حياتي!".. بوست قد تصادفه أمامك وأنت تتجول في أروقة الفيس بوك، لا تعرف عما تبحث، قد لا يلفت انتباهك وقد تتوقف لتقرأه، ولا تبالي لحديث تلك الفتاة التي أطلق البعض عليها "أوفر"، لكن عندما تعلم أن صاحبة تلك الكلمات القليلة المقتضبة ماتت بالفعل..!

لم أعرف تلك الفتاة وما هي معاناتها في الحياة، قرأت كلماتها عندما نشرها أحدهم دون اهتمام في المرة الأولي، وفي الثانية صدمت عندما علمت انتحار صاحبة البوست، قرأت كلماتها مرارًا، في كل مرة أفكر لماذا استسلمت لمعركة الحياة؟ ترى ما الذي كان يؤرقها؟ لو اهتم أحد بكلماتها هل كانت سستراجع عن فكرتها؟ شعرت بالدماء تتدفق في أوصالي، انقبض قلبي وشعرت أني أعرفها، أعرفها عن قرب، وأني فقدت عزيزًا.

دخلت صفحتها الشخصية وجدتها فتاة في مقتبل العمر، على أعتاب العشرين أو ربما تخطتها بعام أو اثنين، صبوحة.. ابتسامتها تملأ وجهها، تكاد تجابه أولى معاركها في الحياة، ترى ما دفع تلك الجميلة للاستسلام واليأس؟ لماذا كانت في معزل عمن حولها؟ ربما طلبت نجدتهم وخذلوها، أو أخذوا حديثها على محمل المبالغة، مثلما يفعل الكثير، لا أحد يهتم بتلك الأشياء التي تضايقنا، لا أحد يهتم!

بالطبع لا أدافع عن فعل الانتحار، بل أدافع عن تلك النفوس الضعيفة التي تستسلم لأفكار أقوى منها، أدافع عن فتاة صغيرة في مقتبل العمر ضاقت بها الحياة، لماذا نستنكر المشاكل والهموم؟ لماذا نرى أن تلك الأشياء التي تضيق بنا لا تستحق؟ فاستجابة كل منا لما نجابهه مختلفة، هناك من يتأثر وهناك من لا يبالي، وأحدهم قد يصاب بذبحة صدرية، لسبب ما.

من منا لا تمر به ضائقة وشعر أنه يتمنى الموت ليخلص من عقباته؟ من منا لم يفكر ماذا لو كان الانتحار غير محرم؟ من منا لم يشعر بعدم قدرته على مجابهة الحياة؟ جميعنا ضعفاء في كنف تلك الحياة التي بالطبع لا تسير على وتيرة واحدة، الحياة خانقة ضاغطة تحمل في طياتها الألم والشقاء والكبد، ظروف عيش قاسية نراوغها لنتكيف ما دمنا نتنفس وما زلنا في تعداد الأحياء.

تلك الصغيرة واحدة ضمن الكثيرين، نسمع عنهم ونعرف قصصهم وربما لا يسمع بهم أحد، اليأس يهدد الجميع فلا تذبحوهم وأهاليهم، بل ولوا اهتمامًا بمن يحتاج السند والدعم، إذا كنا في فترة قوة غير دائمة كما هو الحال نمد أيدينا لمن يحتاج السؤال، أشياء بسيطة يمكن فعلها ننقذ بها شخص تقوده أفكاره للتخلص من الحياة، الانشغال والتفاصيل التي ننغمس بها تجعلنا بمعزل عن أحبائنا، ولكن إذا لاحظنا ناقوس الخطر علينا الإسراع.

قد لا نستطيع منع أحدهم من الانتحار، ولكن بالطبع يمكننا الوقاية، نقي أنفسنا وأحبتنا من الوقوع في تلك الدائرة المظلمة التي يمكنها جذب أي أحد، فهل كان يتوقع أحد انتحار "إرنست همنغواي"؟ الكاتب والصحفي الأمريكي، والحاصل على جائزة نوبل للآداب، والذي جسدت كلماته القوة والصلابة النفسية التي تهزم الشدائد، لقد  انتحر عام 1961 بطلقة نارية في الرأس، وغيره من المشاهير والشخصيات العامة التي كانت في أوج قوتها واستسلمت للموت. 

"كنت أظن أن الذي يحبني سيحبني حتى وأنا غارق في ظلامي.. حتى وأنا ممتلئ بالندوب النفسية.. حتى وأنا عاجز عن حب نفسي.. سيحبني رغمًا عن هذا ولكن لا.. لا أحد يخاطر ويدخل يده في جب بئر.. كلهم يريدوننا بنسختنا السعيدة.. الظلام لنا وحدنا".. صدقت كلمات الدكتور أحمد خالد توفيق، ولم يتحمل أحد ندوب "صاحبة البوست"، لم ينتشلها أحد من ظلامها، بل تركوها تهوى في البئر وحيدة.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك